عبير نعمة... أيقونة الإبداع والمثابرة الموسيقية

تشكل عبير نعمة تجربة فنية وثقافية متكاملة، تجمع بين الموهبة الفطرية والتكوين الأكاديمي، وبين أصالة التراث والتجديد، مما يجعل من الموسيقى لغة إنسانية عابرة للثقافات وملامسة للوجدان.

مركز الأخبار ـ لم تبنِ اللبنانية عبير نعمة مسيرتها المهنية على الموهبة وحدها، بل على الاجتهاد والبحث والشغف الدائم بالمعرفة. لقد عززت خبرتها بالدراسة الأكاديمية المتخصصة وحصلت على درجة الماجستير في العلوم الموسيقية، لتصبح علاقتها بالفن قائمة على الفهم العميق بقدر ما هي قائمة على الإحساس والأداء.

يتجلى هذا البعد الثقافي في مشروعها الوثائقي "موسيقى الشعوب"، الذي خاضت من خلاله رحلة لاكتشاف الموروث الموسيقي لمختلف الحضارات، موثقة ألواناً غنائية تختزن ذاكرة الشعوب وهويتها. وبذلك، تحولت الموسيقى في تجربتها من مجرد وسيلة للتعبير إلى رسالة للتواصل الإنساني وحفظ الذاكرة الثقافية.

 

عبقرية الأداء

تمتلك عبير نعمة قدرات صوتية استثنائية، تتجلى في مرونتها الفائقة في التنقل بين الطبقات الصوتية، من القرار العميق والدافئ إلى الجواب الرنان والشفاف، بسلاسة تامة وتحكم مبهر. ولا يقتصر تميزها على اتساع مساحتها الصوتية فحسب، بل يمتد إلى دقة الأداء وإتقان العِرب والزخارف العربية، التي توظفها بحرفية وعالية وذوق رفيع، بعيداً عن المبالغة أو الاستعراض التقني. كما تمتلك قدرة نادرة على الجمع بين الانضباط الموسيقي والدفء العاطفي، لتصل إلى قلب المستمع دون أن تفقد خصوصيتها الفنية، حتى عندما تتنقل بين اللغات، المدارس الموسيقية، والثقافات المختلفة.

 

حارسة التراث

أحد أجمل جوانب تجربتها الفنية هو اهتمامها بإحياء الأعمال التراثية وإعادة تقديمها برؤية معاصرة تحترم روح العمل الأصلي ولا تقف عند حدود نسخه أو تقليده. لقد أعادت تقديم أعمال تنتمي إلى الذاكرة الغنائية اللبنانية والعربية، ومنها أغنية "يا طير" لـ فيروز، وأغنية "فراشة وزهرة" للموسيقار زكي ناصيف، مانحةً هذه الروائع فرصة جديدة لتصل إلى أجيال لم تعاصر زمنها الأول. كما امتد اهتمامها ليشمل الموشحات، والتراتيل، والترانيم السريانية والبيزنطية والمارونية، تأكيداً منها على غنى الموروث الموسيقي وتنوع روافده؛ فهي لا تغني التراث كأنه ماضٍ مضى وانتهى، بل تحييه كذاكرة حية تستحق الاستمرار.