عائشة الشنا... تحدي كبير ومنبر للتائهات

تقع المرأة ضحية للاغتصاب أو الوعود الكاذبة بالزواج وإنجابها طفلاً لا تعترف به القوانين ويحاربهما المجتمع، وعند التطرق لذلك تخطر في الأذهان الناشطة الاجتماعية عائشة الشنا التي كافحت من أجل هذه الفئة المهمشة من المجتمع.

مركز الأخبار ـ الناشطة الاجتماعية المغربية والمدافعة عن حقوق المرأة عائشة الشنا كانت من أشد المدافعين عن "الأمهات العازبات"، قدمت المساعدة القانونية والنفسية وحتى الاقتصادية لهن كونهن من أكثر فئات المجتمع تهميشاً، حصلت على جائزة أوبيس للأعمال الإنسانية الأكثر تميزاً.

 

أيقونة الكفاح النسوي

أبصرت الناشطة الاجتماعية عائشة الشنا النور في مدينة الدار البيضاء المغربية في 14آب/أغسطس 1941 ثم انتقلت إلى مدينة مراكش مع عائلتها وتوفي والدها وهي في سن الثالثة، ما لبثت أن تزوجت والدتها من رجل حرمها من متابعة تعليمها بحجة الفوضى التي كانت تشهدها البلاد، لكنها أصرت على مواصلة دراستها فعادت أدراجها إلى مسقط رأسها عام 1953 لتكمل تعليمها في مدرسة فوش الفرنسية للغات، ثم انتقلت إلى المدرسة الثانوية "جوفر"، وبعد عدة سنوات لحقت بها والدتها التي قدمت لها الدعم.

عندما بلغت من العمر 16 عاماً عملت سكرتيرة لبرامج أبحاث لمرضى السل والجذام بعد أن درست التمريض، وكان أول عمل تطوعي لها في جمعية "حماية الطفولة والعصبة المغربية لمحاربة داء السل" وذلك قبل عام من حصولها على دبلوم في التمريض، وهنا زاد احتكاكها بالنساء المهمشات في مجتمع تتغلغل الأعراف الصارمة في كل ثناياه.

كانت عائشة الشنا أول من يقترح على الحكومة المغربية الاهتمام بـ "التخطيط العائلي"، وشعرت بالحاجة الماسة لذلك خاصة بعد تعاملها مع حالات اجتماعية على أرض الواقع، وأعطت الدروس حول الصحة والطفل فزاد اهتمامها بالأطفال الذين تخلت عائلاتهم عنهم.

ثم انخرطت بالاتحاد الوطني النسائي المغربي في الدار البيضاء، وفي السبعينيات بدأت بإعداد البرامج التلفزيونية والإذاعية الخاصة بصحة المرأة وكان أول عمل تلفزيوني لها يدور حول التثقيف الصحي.

 

بصيص الأمل للأمهات العازبات

في عام 1981 خلال عملها كمساعدة اجتماعية في وزارة الصحة، دخلت فتاة بعمر الثامنة عشر تحمل طفلها الرضيع بين ذراعيها لتتركه لوزارة الصحة هرباً من مواجهة عائلتها والمجتمع كونه طفل ولد نتيجة لعلاقة غير شرعية بعد أن رفض والده الاعتراف به، وكان تخلي الأم العازبة عن طفلها ظاهرة منتشرة في المغرب.

تأثرت عائشة الشنا بحالة هذه الفتاة وحولت كامل جهودها نحو هذه الفئة المهمشة، وقامت في عام 1985 بتأسيس جمعية "التضامن النسوي" في حي النخيل بالدار البيضاء، لدعم النساء ضحايا الاغتصاب ما أسمتهن "النساء المتخلى عنهن" وهو مصطلح أطلقته على النساء اللواتي أنجبن أطفالاً خارج إطار الزواج سواء كان نتيجة الوعود الكاذبة بالزواج أو تعرضهن للاغتصاب واعتبرتهن ضحايا المجتمع والقانون، كما أطلقت على أطفالهن "الأطفال المتخلى عنهم أو الأطفال في وضعية صعبة" بدلاً من "اللقطاء أو أولاد الزنا أو أطفال الشوارع"، ونجحت في إقناع الجهات المعنية بتغيير الكثير من القوانين لتصب في مصلحة النساء المهمشات.

 

"التضامن النسوي" ملجأ المتخلى عنهن

نظمت جمعية "التضامن النسوي" دورات تدريبية في مجالات عدة منها الخياطة والحياكة والمحاسبة بهدف منح النساء الاستقلالية، كما دعمتهن اقتصادياً ونفسياً وقانونياً، كما كانت توعي الفتيات والنساء بمخاطر العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وأعادت دمجهن وأطفالهن في عائلاتهن.

كما افتتحت الجمعية مراكز استقبال للأطفال أثناء عمل أمهاتهم في الجمعية بإشراف مربيات، ومراكز استماع بإشراف مساعدات اجتماعيات لحل مشاكل النساء ومرافقتهن أثناء تسجيل أطفالهن، كما حصلت لهن الجمعية على حقهن في الدراسة والعلاج.

تعيش الأم العازبة ثلاث سنوات في الجمعية وهي مدة كافية لتأهيلها للعمل، وتهيئتها نفسياً للاندماج من جديد داخل المجتمع ومصالحتها مع عائلتها وتسجيل أبنها في دفتر الحالة المدنية.

وتتحمل كل أم تكاليف زهيدة تدفعها شهرياً للجمعية لتسديد تكاليف الروض المفتوحة لأولادهن وعلى المستلزمات الأخرى المتعلقة برعاية الأمهات وأولادهن، وتعتمد الجمعية في تمويلها على إنتاج المطاعم التي افتتحتها والمساعدات الإنسانية التي تقدم لها.

تعرضت عائشة الشنا للتهديد بسبب دعمها للأمهات العازبات في المغرب واتهامها رجال الدين لها بالكفر والتشجيع على الرذيلة لأنهن يجدن من يساندهن في المجتمع بدلاً من معاقبتهن على أفعالهن، كما انتقدها بعض المحافظين الذين ادعوا أن عملها يجعل من فساد الأخلاق شيئاً شرعياً.

 

جوائز ومؤلفات سطرت فيها كفاحها

عمل عائشة الشنا له فوائد كبيرة على المجتمع كمعرفة نسب الأطفال الأمر الذي يبعد خطر الوقوع في زنا المحارم، وأكدت على أن التثقيف الجنسي أداة مهمة وأساسية لمواجهة المشاكل التي باتت تتربص بالمجتمع كالاغتصاب والأمراض المنقولة جنيساً ومن الضروري دمج التربية الجنسية في المناهج التعليمية.

ووثقت تجارب النساء في عدة مؤلفات كان أولها كتاب بعنوان "البؤس: شهادات" ضم عشرين قصة لنساء عملت معهن، وفي عام 1996 نشرت عائشة الشنة الكتاب ووصف بأنه "إعلان العمل النسائي"، كما نشرت بعد ذلك كتاباً آخر بعنوان "منوعات من القصص الحزينة".

كما وثقت جزءاً من تجاربها في كتاب حمل عنوان "ميزيريا" للتعبير عن المعاناة الكبيرة والهشة التي تعيشها الفئات المنبوذة في المجتمع.

وحصلت في عام 2005على جائزة "إليزابيث نوركال" تقديراً لما قدمته من مساعدات قانونية ومادية ونفسية للأمهات العازبات، وحصلت على جائزة حقوق الإنسان عام 1995 في العاصمة الفرنسية باريس، وفي عام 2000 حصلت على وسام الشرف "الميدالية الفخرية".

وهي أول امرأة مسلمة تحصل على جائزة أوبيس للأعمال الإنسانية وذلك عام 2009، وأكدت بأن أموال هذه الجائزة ستكون ضماناً لاستمرارية مؤسستها حتى بعد موتها.

وحصلت في عام 2013 على وسام جوقة الشرف من درجة فارس من قبل فرنسا، اعترافاً بالخدمات التي قدمتها للأمهات العازبات، وقال عنها السفير الفرنسي شارل فرييس "أن هذا التكريم الذي حصلت عليه عائشة يعتبر اعترافاً يتيح لها أن تصبح المتحدثة باسم من تسمونهم من لا صوت لهم".

وكرمت في عام 2018 بجائزة "Citizens awards" بصفتها فاعلة بالمجتمع المدني، كما أنها توجت كأحسن امرأة في العالم بمدينة أووسنا الإيطالية، وتوفيت في 25 أيلول/سبتمبر عام 2022.