"الدق"... رمز لهوية المرأة وثقافتها
لطالما كان الجسد مساحة للتعبير عن الهوية والمعتقدات والذاكرة، وفي بلاد الرافدين ارتبط الوشم التقليدي، المعروف باسم "الدق"، بتاريخ طويل من الرموز خاصة في حياة النساء، وبين الماضي والحاضر، ما يزال هذا التراث يحكي جانباً من ثقافة المنطقة وذاكرتها الشعبية.
مركز الأخبار ـ الدق هو الاسم المحلي الذي يُطلق على الوشم التقليدي المنتشر بين الكرد والإيزيديين والعرب ومختلف المجموعات التي تعيش في بلاد الرافدين، ويقوم هذا التقليد على نقش رموز محددة على الجسد، ولم يكن مجرد ممارسة جمالية، بل اكتسب أيضاً دلالات مرتبطة بالمعتقدات والحماية والخصوبة والهوية والذاكرة المجتمعية.
ترجع جذور ثقافة الدق إلى منطقة بلاد الرافدين، ولا سيما جغرافية كردستان، حيث لا تزال هذه الثقافة حية حتى يومنا هذا، وتُعد من الطقوس الثقافية المهمة، خصوصاً في مناطق ماردين وأورفا وآمد ومناطق روج آفا عموماً، وكذلك لدى المجتمع الإيزيدي، كما تبنّت شعوب محلية أخرى تعيش في المنطقة هذه الثقافة مع مرور الزمن، وقد تشكل الدق بوصفه جزءاً من الهويات الثقافية.
وتحمل الرموز المستخدمة في تقليد الدق معاني مختلفة بحسب المنطقة والمجتمع، وتجسّد هذه الرموز موضوعات مثل المرأة والخصوبة والأمان والحب والوحدة والارتباط بالطبيعة والحماية والحياة، من خلال طقوس تُرسم على الجسد، كما تحتل مكانة المرأة وإبداعها وقدرتها على الإنتاج أهمية كبيرة في عالم دلالات العديد من هذه الرموز.
فعلى سبيل المثال، يرمز الشكل المثلث إلى الحماية وخصوبة المرأة وإبداعها، ويمثل حضور المرأة بشكل مباشر، وتقريباً في جذور معظم نقوش الدق يظهر شكل يشبه المثلث، سواء على هيئة نقاط أو خطوط تتخذ شكلاً مثلثياً.
إضافة إلى ذلك، تظهر الأشكال الدائرية والخطوط التي تزيّن محيطها كرمز للشمس، وكما هو معروف كان الإيمان بالشمس قوياً في المعتقدات القديمة لدى الكرد، وقد بقيت بعض مظاهره حية لدى الإيزيديين حتى اليوم، لذلك، لا يمكن قراءة رمز الشمس باعتباره مجرد زخرفة، بل يمكن اعتباره أيضاً أحد الرموز التي تحمل الذاكرة الجماعية لبلاد الرافدين وتوصلها إلى الحاضر.
الدق في كتاب "الأساس التاريخي لثورة المرأة ومستقبلها"
ورد في كتاب "الأساس التاريخي لثورة المرأة ومستقبلها" تعريف للدق جاء فيه إن آثار ثقافة الألوهية تظهر في الوشوم التي تحملها أجساد النساء الكرديات والعربيات ونساء المترِب، فالرموز التي نقشَتها النساء على وجوههن وأجسادهن، مثل الشمس والقمر والغزال وشجرة الحياة والندى والصليب والثعبان وشاه ماران، هي الرموز ذاتها التي تظهر على جدران الكهوف، وفي الرسومات والتماثيل القديمة، والمقابر والحجارة وزخارف المنازل والأعمال الحديدية والمنسوجات والتطريزات.
وقد زيّنت النساء والفتيات جباههن وصدورهن وأيديهن وأكتافهن وأقدامهن وسيقانهن برموز مرتبطة بثقافة الألوهية. ويُقال إن لون الوشم كان يُحضّر فقط باستخدام النار وحليب الأمهات اللواتي أنجبن طفلات.
"سر الدق" كما ترويه الأمهات
تروي الأمهات الكرديات سر الدق من خلال معتقدات توارثتها الأجيال. ومن هذه الروايات "لا يُصنع الدق بحليب أم أنجبت ولداً، لأن اللون لا يثبت، وإنما يثبت فقط بحليب الأمهات اللواتي أنجبن طفلة".
أما المعاني التي تحملها نقوش الدق، فتمتد إلى العديد من مشاعر وتجارب الحياة، وتقول الأمهات إن الدق يعبّر عن الألم والخوف والأمل والرغبة والحب وجمال الحياة.
كما يُعتقد أن الدق يحمي من العين الشريرة والشرور والأمراض ومختلف المخاطر، وتشكل المعتقدات المرتبطة بكونه يجلب الحظ والسعادة، ويحمل الحب والفرح، ويضيف البركة إلى الحياة، ويجلب الرزق إلى المنزل، جزءاً مهماً من هذا التقليد.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى ثقافة الدق باعتبارها واحدة من التقاليد الثقافية العريقة التي تطورت في بلاد الرافدين، ولا تزال حية، خصوصاً من خلال أجساد النساء وذاكرتهن وانتقالها من جيل إلى آخر.
حضور اللغة الرمزية على الجسد
أصبح الوشم في وقتنا الحاضر وسيلة تعبير شائعة في أنحاء كثيرة من العالم، ويستخدم الناس الرموز التي يرسمونها على أجسادهم للتعبير عن مواقفهم الأيديولوجية وانتماءاتهم وأحلامهم وذكرياتهم وقصصهم الشخصية.
لكن الدق، على خلاف مفهوم الوشم الحديث، ليس مجرد اختيار فردي أو توجه جمالي، إنما هو سرد ثقافي عريق يحمل على الجسد معتقدات المنطقة التي ينتمي إليها، وتجارب النساء الحياتية، والذاكرة المجتمعية، والمخاوف والآمال والأمنيات المتعلقة بالحياة.
واليوم، فإن إعادة النظر في الدق لا تعني مجرد تذكّر تقليد قديم للوشم، بل تعني أيضاً إعادة قراءة الذاكرة الثقافية لبلاد الرافدين، والمعرفة التي حملتها النساء من جيل إلى آخر، واللغة الرمزية التي جرى التعبير عنها من خلال الجسد.