"تقدري" مبادرة مصرية تواجه الزواج المبكر وتعيد الفتيات إلى طريق التعليم
تسعى مبادرة "تقدري" إلى تغيير الموروثات الاجتماعية التي تقيد مستقبل الفتيات في محافظة أسيوط المصرية، وتعزيز حقهن في التعليم والحياة الآمنة، مستندةً إلى تجارب واقعية تكشف أن الزواج المبكر.
إيمان سمير علي
مصر ـ في قرية "الحواتكة" بمحافظة أسيوط في صعيد مصر، اختارت مها عبد الوهاب أن تواجه واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية التي تهدد مستقبل الفتيات، وهي زواج الأطفال والتسرب من التعليم، من خلال مبادرة مجتمعية تحمل اسم "تقدري"، تستهدف رفع الوعي بمخاطر الزواج المبكر، وتعزيز دور الأسرة والمجتمع في حماية الفتيات وتمكينهن من مواصلة تعليمهن وبناء مستقبلهن.
انطلقت مبادرة "تقدري" قبل نحو أربعة أشهر، من واقع عايشته مها عبد الوهاب في قريتها، حيث لاحظت تزايد حالات التسرب من التعليم والزواج المبكر، ما دفعها إلى إجراء استبيان ميداني كشف أن نحو 50% من حالات ترك الفتيات للدراسة ترتبط بالزواج المبكر. وعلى ضوء ذلك، وضعت أهدافاً واضحة للمبادرة تتناسب مع احتياجات المجتمع المحلي وإمكاناته.
وفي بداياتها، واجهت مها عبد الوهاب وفريقها تحديات عدة، أبرزها رفض بعض الأسر فكرة تأجيل زواج بناتها، بفعل الموروثات الاجتماعية التي تحصر دور الفتاة في الزواج ورعاية المنزل، مشيرةً إلى أن من أبرز المبررات التي كانت تسمعها من بعض الأهالي قولهم "ما جدوى تعليم الفتاة؟ فمكانها في النهاية هو المطبخ"، أو اعتبار تزويجها في سن مبكرة وسيلةً لـ "سترها"، فضلاً عن الاعتقاد بأن الظروف الاقتصادية لا تسمح بمواصلة الفتيات تعليمهن.
وأمام هذه المواقف، أدركت مها عبد الوهاب أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على توجيه اللوم إلى الأسر، بل تتطلب اعتماد الحوار المباشر والزيارات المنزلية لفهم دوافع الأسر وتوعيتها بمخاطر الزواج المبكر. لذلك، اعتمدت على الزيارات المنزلية وحملات طرق الأبواب، للوصول إلى الأسر والفتيات، والاستماع إلى تجاربهن، وفتح مساحة للنقاش حول مستقبل الفتاة وحقها في التعليم والحياة الآمنة.
وبحسب ما أوضحته فقد كشفت اللقاءات مع فتيات تزوجن في سن مبكرة عن فجوة كبيرة بين التصورات التي صاحبت الزواج قبل حدوثه، والواقع الذي واجهنه بعد الانتقال إلى الحياة الزوجية. وكانت تلك الشهادات دافعاً إضافياً للمبادرة لتكثيف جهودها، ليس فقط من أجل منع حالات زواج جديدة، وإنما أيضاً لدعم الفتيات اللواتي سبق لهن الزواج، ومساعدتهن على التعامل مع ظروفهن بأقل قدر ممكن من الضرر.
مشكلات قانونية واجتماعية
لم تقتصر التحديات التي رصدتها المبادرة على الأعباء اليومية والنفسية، بل امتدت إلى مشكلات قانونية واجتماعية معقدة، خاصة في الحالات التي لا يكون فيها الزواج موثقاً رسمياً.
وتروي مها عبد الوهاب عدداً من الوقائع التي واجهتها خلال العمل الميداني، من بينها حالة شاب توفي بينما كانت زوجته حاملاً في توأم، في ظل عدم توثيق الزواج رسمياً، ما أثار إشكالات بشأن تسجيل الطفلين وإثبات نسبهما، وأدخل الأسرة في نزاعات ومشكلات قانونية. وفي واقعة أخرى، تحدثت عن فتاة توفي زوجها خارج مصر، ورفضت أسرته إثبات نسب طفلها إليه، فلجأ والد الفتاة إلى تسجيل الطفل باسمه، وأدى ذلك لاحقاً إلى تعقيدات تتعلق بالنسب والميراث، وصلت إلى خلافات أسرية خطيرة بعد وفاة الجد.
ومن خلال عرض هذه التجارب في أنشطتها التوعوية، تسعى المبادرة إلى تعريف الأسر بالعواقب المحتملة للزواج المبكر وغير الموثق، ومساعدتها على إدراك أن القرارات التي تبدو حلاً سريعاً لبعض المشكلات قد تفتح الباب أمام أزمات أكثر تعقيداً في المستقبل.
أنشطة توعوية
وأدركت مها عبد الوهاب أن تغيير واقع الفتيات يتطلب إشراك الأسرة، فخصصت أنشطة توعوية للأمهات وأولياء الأمور والحموات، لتأثيرهم في حياة الفتاة، خاصة في الأسر الممتدة. واعتمدت على الندوات واللقاءات المباشرة للتوعية بمخاطر الزواج المبكر وما يفرضه على الفتاة من أعباء منزلية ومسؤوليات زوجية وأمومة قبل استعدادها النفسي والجسدي لها.
من أبرز النتائج التي لمستها ظهور تغيرات في مواقف بعض الأسر بقرية "الحواتكة"، حيث بدأت أمهات يعبرن عن رفضهن تزويج بناتهن في سن مبكرة، بعد التعرف إلى المخاطر المرتبطة بهذه الممارسة. كما انضمت بعض الأمهات إلى الأنشطة التوعوية، وبدأن في نقل تجاربهن إلى أسر في قرى أخرى، في خطوة تعكس أهمية الاستفادة من شهادات النساء وتجاربهن الواقعية في تغيير القناعات المجتمعية.
وتوضح أن جلسات التوعية ساعدت بعض الأسر على إدراك المخاطر الصحية والنفسية والاجتماعية للزواج المبكر، وما يفرضه على الفتاة من مسؤوليات تفوق استعدادها. وتسعى المبادرة إلى تصحيح المفاهيم التي تربط الزواج المبكر بالحماية والاستقرار، والتأكيد على أهمية التعليم وتوفير الظروف التي تتيح للفتيات النمو والتعلم واتخاذ قراراتهن في الوقت المناسب.