طفلة الأنفال الناجية تعيش حياة تتأرجح بين الفقد والنجاة

قصة هاوار هي قصة مأساوية لطفلة كردية، وهي واحدة من آلاف القصص المشابهة لها في حلبجة، إنها قصة لا يمكن تخيل حجم الكارثة التي حلت بالشعب الكردي عند سماعها، ومع ذلك، لم يتم القيام بأي شيء يُذكر لمساعدة المتضررين.

شلير كويي

كويه ـ قصة هاوار؟؟ هي قصة حقيقية ومأساوية لطفلة كردية، تُروى أحياناً على شكل فيلم، لكن لا يوجد أي مخرج يستطيع أن يجسد ما حدث لها، إنها طفلة لا يتجاوز عمرها أربعة أشهر عندما قُتل والداها وشقيقها معاً، وبقوا جثثاً إلى جانبها، فكيف استطاعت هذه الرضيعة أن تبقى على قيد الحياة لمدة ثلاثة أيام؟

تسرد هاوار قادر نامیق لوكالتنا قصة نجاتها من الإصابة بالهجمات الكيميائية في قرية "كوبتبە" التابعة لناحية أغجلر، والتي تقع قرب حدود كويه وجمجمال.

وتقول "أُصيبت أمي وأبي وأخي بالأسلحة الكيميائية، إلى جانب أكثر من 300 شخص آخر، وقد استُشهدوا جميعاً. لم ينجُ أحد منهم سوى أنا، وخرجت من داخل المنزل كما يُروى عني، ورغم أنني في ذلك الوقت كنت رضيعة لا يتجاوز عمري أربعة إلى خمسة أشهر، فقد أُصبت أيضاً وبقيت على قيد الحياة ثلاثة أيام فوق جثة أمي، أرضع من صدرها وهي جثة باردة".

وبعد ارتكاب النظام العراقي آنذاك المجزرة طلب من جميع أقارب الضحايا الحضور لدفن جثث أحبائهم، فذهبت الجدة ورأت أن عائلة ابنتها كلها قد ماتت "كانت أمي مصابة بجروح بالغة لدرجة أنها لم تستطع خفض رقبتها، وبعد ذلك دفنوهم، لكنهم لم يعثروا على جثتي بينهم، كانت جدتي حزينة للغاية لفقدان ابنتها وزوجها وأطفالها، وأرسلت عمتي لتتأكد من وجودي عند منزل عضو مجلس المنطقة وحاولت جاهدة إعادتي".

 

أعادت زوجة المستشار وهاوار سراً إلى جدتها

عندما كان أخوال هاوار يذهبون إلى بيت المستشار الذي علموا أنه أخذ طفلاً، كان المستشار في البداية يطردهم، لكنهم لم يغادروا، وبكت الجدة وقالت "أعيدوها إليّ"، فقال المستشار "لا، هذا الطفل ليس لكم، ولن أعيده، فما دليلكم أنه لكم؟"، وكذلك قال والد المستشار "ليس لكم ولن نعطيه لكم".

لكن الخالة قالت "لدي علامة على رقبة الطفلة"، وذكرت أيضاً علامات أخرى، مثل أن الطفلة عينيها زرقاوان وشعرها أشقر، بعد ذلك تأكد المستشار أنهم يقولون الحقيقة لكنه لم يسلمهم الطفلة، ومع ذلك، بقيت مصرة على استرجاع الطفلة وكانت تبكي بشدة وفي حالة صعبة جداً.

وقيل لهاوار قادر نامیق أن زوجة المستشار وأمه كانتا أكثر مرونة من الرجال، وقالتا "خذوا الطفلة"، وبهذه الطريقة، عادت إلى حضن عائلتها.

تقول صاحبة القصة "جدتي كانت تقول أنه عندما أخذنا الطفلة في ذلك الوقت، شعرت أني أحمل جثة ابنتي، فكانت في حالة حزن شديد وكأنها في عزاء. ثم أخذوني إلى طبيب لكنه رفض العلاج خوفاً على نفسه، وقال "لا أستطيع علاج الطفلة، إذ علمت الحكومة أني عالجت طفلاً من ضحايا أو مصابي الكيماوي فسيعتقلونني"، فبدأت عمتي تتوسل وتبكي كثيراً، فوافق على أن يكون ذلك بشكل سري.

بعد ذلك كانت الجدة تخفيها تحت عباءتها في أوقات متأخرة من الليل وتأخذها سراً إلى الطبيب "استمر الأمر حوالي شهر، لأن جسدي كله جروح، وبعدها تحسنت حالتي".

تبين أنه حتى الآن "لا توجد لدي هوية أو تعريف رسمي بصفتي من ضحايا السلاح الكيميائي. ما حدث لي ولعائلتي كان يستحق أن تكون لدي هوية خاصة بي كوني ضحية وحيدة (من المتضررين)، وهذا من حقي، لكن لا أنا ولا بقية الضحايا لدينا ذلك. نحن فقط نتلقى راتب الشهداء الخاص بوالديّ، وهذا الراتب يُقسم بيني وبين جدتي، مع أن المفروض أن يكون لي راتب مستقل بصفتي أحد ضحايا الهجمات الكيميائية لكن للأسف لدينا حكومة ووزارة تُسمى شؤون الشهداء، ومع ذلك لا تقوم بأي شيء لأسر الشهداء. نحن كضحايا لدينا الكثير من الشكاوى، وكنا نستحق أكثر مما حصلنا عليه بكثير، لكن ذلك لم يتحقق".

 

"لم أكن أعرف ما الذي حدث لعائلتي"

وتكمل قصتها بالقول "عشتُ حتى سن السنة عند جدتي والدة أمي، ثم أعادوني إلى بيت جدتي من جهة أبي، وعشت في كويە إلى أن كبرت، لم أكن أعرف من أنا ولا ما الذي حدث لعائلتي، لكن عندما بلغت حوالي ست سنوات، بدأت أسمع الناس يتحدثون عني، ومن خلال كلامهم بدأت أفهم أن والدي ووالدتي وأخي قد استشهدوا".

ولم ينتهي الأمر عند ذلك كما توضح "عندما أرادوا أن يسجلوني في المدرسة، لم يكن لدي أي هوية أو أوراق، لأن والديّ لم يسجلوا زواجهم في المحكمة. وبعد ذلك، ساعدت عضوات من اتحاد النساء في دخولها المدرسة عام 1994 قاموا بتسجيل اسمي، وبفضلهم تمكنت من الالتحاق بالدراسة".

مرت سنوات إلا أن آثار الكيماوي ما تزال تذكرها بما حدث "ما زالت آثار السلاح الكيميائي موجودة على جسدي حتى الآن. أعاني من فقر دم، وضعف شديد، وفي أغلب الأوقات أتعرض لضيق في التنفس، كما تم طردي من المرحلة المتوسطة بسبب عدم توافق وضعي الصحي، وحالياً أعيش في كويە بعد أن تزوجت وأنجبت أطفال، وما أطالب به هو راتب مستقل، وهوية وتعريف رسمي لي كوني من الضحايا الوحيدين المتأثرين بالسلاح الكيميائي".

واختتمت هاوار قادر نامیق قصتها بالقول "أتمنى ألا نرى مثل هذه الكارثة مرة أخرى، لأن تلك الحادثة لا تُنسى، وحتى لو تحدثنا عنها كثيراً فلن نتمكن من وصفها، وأتمنى أن لا يراها جيلنا القادم ولا أطفالنا أبداً".