تاجان دلشاد: أرشفة تاريخ النساء تحفظ ذاكرة المجتمع وهويته
أكدت الأستاذة الجامعية تاجان دلشاد أن تاريخ النساء يحتاج إلى توثيق وأرشفة، مشيرةً إلى أن الإعلام يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في حفظ أصوات النساء وتجاربهن، ونقلها إلى الأجيال المقبلة بوصفها جزءاً من تاريخ المجتمع وذاكرته.
ديرين رحيم
السليمانية ـ لا يكتمل توثيق تاريخ المجتمعات من دون حفظ قصص النساء وتجاربهن وإسهاماتهن في مختلف المجالات. وبينما تحتفظ الذاكرة الشفوية بالكثير من هذه التفاصيل، تبرز الحاجة إلى أرشفتها بصورة منهجية تضمن وصولها إلى الأجيال المقبلة.
لا يقتصر التاريخ على ما دوّنته الكتب، بل يشمل أيضاً ذكريات الناس وتجاربهم اليومية. وقد شاركت النساء في مختلف مراحل التاريخ، إلا أن كثيراً من قصصهن وإسهاماتهن لم توثّق بصورة كافية.
في هذا السياق، تؤكد الأستاذة الجامعية تاجان دلشاد، أن تاريخ النساء أُرشف بالفعل في جوانب مختلفة، لكنه لا يزال بحاجة إلى عمل أكثر تنظيماً ومنهجية "صحيح أن لدينا الكثير من المواد التي أُرشفت في هذا المجال، لكنها لم تصل إلى المستوى الذي نريده، أي إلى المستوى الذي يضمن بقاء تاريخنا كما هو. ولا يمكننا القول إن تاريخ النساء لم يؤرشف، كما لا يمكننا القول إن الإعلام لم يؤدي دوراً رئيسياً، لكن هذا العمل لم ينجز حتى الآن بطريقة منهجية".
التوثيق الشفهي وحفظ الذاكرة
تقول تاجان دلشاد إن من أبرز وسائل توثيق تاريخ النساء الاستماع إلى شهادات الجدات والأمهات، والاستفادة من ذاكرتهن في توثيق تفاصيل الحياة اليومية، من الملابس والطعام إلى العادات والتقاليد وأنماط العيش.
ولفتت إلى أن المباني والأحياء القديمة تمثل مصدراً آخر لفهم هذا التاريخ، مشيرة إلى أحياء قديمة في السليمانية، مثل ملكندي، وسابونكران، وسر شقام، ودركزين، وحاجي حان، حيث يمكن من خلال النساء اللواتي عشن فيها توثيق جوانب من تاريخ تلك الأماكن والمجتمعات.
وترى أن الإعلام يستطيع تحويل هذه الشهادات إلى تقارير وأفلام وثائقية وبودكاست ومقابلات، بحيث تتحول إلى مواد أرشيفية تحفظ تاريخ النساء الكرديات وتجاربهن، مؤكدةً أن المشكلة ليست في غياب الأرشيف بالكامل، وإنما في عدم وجود مشروع شامل ومنهجي يجمع هذه المواد ويحافظ عليها بصورة تضمن وصولها إلى الأجيال المقبلة.
وتساءلت "إلى أي مدى استطعنا الحفاظ على أدوار نسائنا؟ وإلى أي مدى استطعنا أن نجعل الأعمال التي قمن بها تبقى كما هي؟ هناك نساء كثيرات تركن بصماتهن في التاريخ، وقد حافظنا على إرثهن حتى الآن، لكننا بحاجة إلى أن نذهب أبعد من ذلك، وأن نعمل بطريقة منهجية للحفاظ على هذه الأشياء وأرشفتها وصونها حتى لا تندثر".
الإعلام ودوره في حماية التراث
وأوضحت أن دور الإعلام ينبغي ألا يقتصر على توثيق الأحداث بعد وقوعها، بل يجب أن يكون استباقياً، خصوصاً في ما يتعلق بالمباني والأماكن التراثية المهددة بالهدم أو التغيير، مشيرةً إلى أن تفاصيل الحياة اليومية، ومنها إعداد الطعام والحرف والعادات والملابس، تستحق التوثيق باعتبارها جزءاً من تاريخ المرأة الكردية، سواء في القرى أو المدن.
وشددت على ضرورة حفظ المواد الأرشيفية بطريقة آمنة ومستدامة، وعدم الاكتفاء بتخزينها على الأقراص أو وحدات الذاكرة، بل حفظها صوتاً وصورة وكتابة في أرشيفات مناسبة تضمن بقاءها.
وتقول إن هذا التوثيق يجب أن يشمل النساء في مختلف المجالات، من ربة المنزل إلى المرأة العاملة أو التي تشغل موقعاً إدارياً أو عاماً، لأن كل تجربة تمثل جزءاً من تاريخ المجتمع.
نحو أرشيف شامل لتاريخ النساء
وأكدت على أن النساء استطعن كتابة تاريخ غني في مجالات متعددة، لكن هذا التاريخ ما زال موزعاً بين وسائل الإعلام وغير محفوظ ضمن منظومة واحدة.
ودعت إلى إنشاء أرشيف شامل يجمع قصص النساء من السليمانية وهولير ودهوك وسائر مناطق إقليم كردستان، بحيث يبدأ التوثيق من التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية وصولاً إلى الإنجازات الكبرى، وترى أن الصحفيات يمكن أن يؤدين دوراً مهماً في هذا المجال، لما يتيح لهن عملهن من الوصول إلى النساء وفهم تجاربهن والتحديات التي مررن بها.
واختتمت تاجان دلشاد حديثها بالتأكيد على أن تاريخ النساء لم يكن سهلاً، فقد واجهن كثيراً من العقبات وتجاوزن صعوبات عديدة "لا تقللن من قيمة أنفسكن؛ فإمكاناتكن أكبر مما ترينه في أنفسكن، وما تفعلنه ليس قليلاً، لأن النساء ذوات قيمة". وتأمل أن يقود هذا الجهد مستقبلاً إلى إنشاء متحف للمرأة الكردية يعرض تاريخها وإسهاماتها في مجالات مختلفة، من الحرف والملابس والطعام إلى العمل الثقافي والاجتماعي والعام.