سنوات من الانتظار… إلى أين تتجه معاناة الخريجات التونسيات؟
تفاقمت بطالة صاحبات الشهادات العليا في تونس لتبلغ نسبة 31،6 بالمائة وطالت لمدة تصل إلى ربع قرن بعد التخرج الأمر الذي دفع بالكثيرات إلى العمل بمهن هشة والقبول بالأجور الزهيدة.
نزيهة بوسعيدي
تونس ـ تزايدت معاناة الخريجات العاطلات عن العمل في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم القدرة على مجاراة الغلاء. فالكثير منهن يعتمدن لسنوات طويلة على دعم العائلة، دون قدرة حقيقية على تغطية نفقاتهن.
هذا الوضع الهش دفع العديد من النساء إلى قبول أعمال غير مستقرة فقط لمواجهة أعباء الحياة والحفاظ على كرامتهن. ومع ذلك، يبقى السؤال الذي تردده الكثيرات: إلى متى سنظل نعيش بهذه الطريقة؟
شفقة ونظرة دونية
تقول نور الهدى غرسلاوي، أستاذة اللغة الصينية منذ عام 2003 "أنا عاطلة عن العمل منذ 23 عام، شأني شأن آلاف الخريجات في مختلف أنحاء تونس، اللواتي يواجهن البطالة ويعانين من غياب أبسط مقومات العيش الكريم".
وتضيف "سهرنا الليالي خلال سنوات الدراسة، على أمل أن نرى ثمرة تعبنا بعد التخرج. لكننا وجدنا أنفسنا نصطدم بواقع البطالة، ونعيش تحت وطأة نظرات الشفقة، والاعتماد القسري على الآخرين لتأمين احتياجاتنا. حتى أطفالنا يسألوننا ببراءة مؤلمة: لماذا ندرس إذا لا يمكننا أن نعمل بشهادتنا؟ وكيف نُقنعهم بقيمة العلم ونحن عاجزون عن استثمار شهاداتنا؟".
وتشير نور الهدى غرسلاوي إلى أن هذه المشاعر القاسية لا تخصها وحدها، بل يعيشها اليوم كل خريج جامعي معطّل عن العمل، من بنزرت شمالاً إلى بن قردان جنوباً.
مهن هشة
تقول وداد همامي، خريجة اختصاص تحليل المشاريع والاستشارات الاقتصادية، والتي درست أيضاً تصميم الأزياء "رغم كفاءتي وتعدد اختصاصاتي، ما زلت أعاني البطالة منذ 16 عاماً".
وتوضح أنها اضطرت للعمل في مهن هشة دون علم عائلتها، لأنها أم لطفلة تعاني من ربو حاد وتحتاج إلى أدوية وإقامات متكررة في المستشفى، ما يجعلها مضطرة لتأمين مصاريف العلاج بأي طريقة ممكنة.
وتضيف أن الكثير من خريجات الجامعة، بعد سنوات طويلة من الدراسة والجهد والأمل في مستقبل أفضل، وجدن أنفسهن أمام خيار واحد فقط لمواجهة البطالة؛ القبول بأعمال هشة مثل العمل كمعينات منزليات، أو في التنظيف، أو غيرها من المهن.
وتقول "أنا لا أقلل من شأن هذه المهن، لكنها لا تتناسب مع من قضت سنوات طويلة على مقاعد الدراسة، من المدرسة إلى الجامعة"، مشيرة إلى أنها تعاني ضغوطاً نفسية كبيرة بسبب البطالة، ومطالبة بتفعيل القوانين التي تضمن حق الخريجات في العمل والكرامة.
ملف العمل بين الوعود والتلاعب
تقول سارة الطرابلسي "أنا عاطلة عن العمل منذ عام 2008 رغم حصولي على الإجازة التطبيقية في التصرف وإدارة الأعمال"، مضيفة أن الثورة رفعت شعارات "شغل، حرية، كرامة وطنية"، لكن الخريجين ما زالوا يعانون منذ سنوات طويلة من التهميش وارتفاع نسب البطالة، دون حلول حقيقية "تعاقبت الحكومات والرؤساء والأحزاب، لكن ملف عمل أصحاب الشهادات العليا ظل مجالاً للتلاعب والمماطلة".
وتشير إلى أن الوضع الاقتصادي "الخانق" اليوم جعل حتى أصحاب الرواتب غير قادرين على العيش بكرامة بسبب الغلاء الفاحش، متسائلة "إذا كان من لديه راتب يعجز عن تغطية مصاريفه، فكيف يعيش من لا يملك دخلاً؟". مطالبة بتفعيل القانون عدد 18 لضمان كرامة الخريجين الذين طالت بطالتهم.
ورغم اختلاف القصص يبقى القاسم المشترك بين آلاف الخريجات العاطلات عن العمل هو البحث المستمر عن فرصة تليق بسنوات الدراسة والتعب. فالمعاناة لم تعد مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل واقع يومي يثقل كاهل النساء ويدفعهن إلى حلول مؤقتة لا تحفظ كرامتهن ولا تستثمر قدراتهن.