منذ قرن... نساء كويه يحيين تقاليد إعداد مؤونة الشتاء في مطحنة "مام خضر"

في كويه، تتمسك نساء المدينة بعادة إعداد مؤونة الشتاء بالطرق التقليدية، ويجدن في مطحنة "مام خضر"، التي تواصل العمل منذ نحو قرن، جزءاً من تراثهن الغذائي وذاكرتهن الجماعية.

شلير كويي

كويه ـ مع حلول فصل الخريف وانخفاض درجات الحرارة، تتوجه نساء مدينة كويه في إقليم كردستان إلى مطحنة "مام خضر" لطحن الحبوب وتجهيز مؤونة الشتاء. وعلى الرغم من أن المطحنة تجاوز عمرها قرناً من الزمن، فإنها لا تزال تحظى بثقة الأهالي، ولا سيما النساء اللواتي يحرصن على إعداد مؤونتهن بأنفسهن، وفق الطرق التقليدية المتوارثة.

بأيديهن وأدواتهن البسيطة، تنشغل النساء بسلق الحبوب وتجفيفها وطحنها وتجهيزها، قبل حملها إلى منازلهن لتكون زاداً لهم خلال أشهر الشتاء، في مشهد يعكس تمسك أهالي كويه بعاداتهم الغذائية والتراثية، رغم مرور عشرات السنين وتغير أنماط الحياة.

تُعد مطحنة "مام خضر" من أبرز المعالم التراثية في مدينة كويه، لما تتمتع به من قدم وأهمية تاريخية، إذ تواصل العمل منذ نحو قرن من الزمن. وتقع المطحنة قبالة قلعة كويه، وقد شُيدت على مساحة تبلغ 801 متر مربع، ويعود تاريخ إنشائها إلى أكثر من 99 عاماً.

وعلى الرغم من مرور عقود طويلة على تأسيسها، لم تتوقف المطحنة عن العمل، ولا تزال أبوابها تستقبل الأهالي، ولا سيما في ساعات الصباح، وهي أول مطحنة تعمل بالطاقة النارية في إقليم كردستان، ولا تزال حتى اليوم قيد التشغيل، كما أن آلتها لم تتوقف عن العمل.

"الحبوب التجارية لا طعم لها"

آواز تاير، إحدى سكان مدينة كويه، تبلغ من العمر 65 عاماً، وقد دأبت منذ سنوات طويلة على الذهاب إلى مطحنة "مام خضر" لطحن مؤونتها. وتقول "قبل أحداث الأنفال، انتقلنا من سهل كويه إلى المدينة، وعندما كنت في الخامسة والعشرين من عمري، كنت آتي برفقة والدي إلى المطحنة لطحن حبوبنا، وما زلت مستمراً في ذلك حتى اليوم".

وتضيف "منذ أن وعيت على هذه الأمور، لم أتناول البرغل الذي يُباع في الأسواق. وفي إحدى المرات اشتريته من السوق، لكن زوجي لم يتناوله، لأن الحبوب التجارية لا طعم لها، وعندما تضعها في الفم تبدو كالعجين، فضلاً عن أنها لا تتمتع بالفائدة نفسها التي توفرها المنتجات المنزلية. أما القمح المجروش المحضر في المنزل، فهو لذيذ جداً بكل أشكاله".

وتستعيد آواز تاير، خلال حديثها، ذكريات الحياة في الماضي، وترى أن الحياة آنذاك كانت أفضل من اليوم، خصوصاً بفضل الغذاء الصحي، قائلة "بالرغم من أننا كنا نتعب كثيراً في ذلك الوقت، فإن الناس لم يكونوا يمرضون كما هو الحال اليوم. كنا نعيش جميعاً حياة بسيطة، لكننا كنا أكثر سعادة".

أما قدرية جبار، وهي من أهالي قرية "حاجي قلعة"، فقد ذهبت برفقة عائلتها إلى المطحنة لإعداد مؤونة الشتاء. وعن أهمية الأطعمة المنزلية التي تُحضّر بالطرق التقليدية، تقول "هذا القمح المجروش من محصولنا، نسلقه ونطحنه بأنفسنا، لأننا نفضل أن يكون من إعداد أيدينا. أما ما يُباع في الأسواق، فلا مشكلة في استخدامه أيضاً، فالناس تلجأ إليه لأن ليس لدى الجميع الوقت أو القدرة على سلق القمح وإحضاره إلى المطحنة".

من جانبها، تقول بيان عمر، وهي شابة أخرى ذهبت إلى مطحنة "مام خضر" لطحن مؤونتها "إلى جانب عملي كموظفة، أحرص على إعداد طعام صحي لعائلتي في المنزل. وفي كل عام أقوم بسلق القمح المجروش وتحضيره بالطريقة التقليدية، لأن من الضروري أن نعتمد على المنتجات المحلية، ولا سيما في الوقت الراهن، مع وفرة القمح وجودته ونظافته، إذ نقوم بإعداده وسلقه بأنفسنا".