من تدمير الحضارة إلى التصريحات المعادية للنساء... أفغانستان إلى أين؟

تفتح تصريحات عبد الله سرحدي الحاكم السابق لطالبان في ولاية باميان، الباب مجدداً أمام الحديث عن تدمير تماثيل بوذا في باميان، وعن النظرة التي تحملها الحركة تجاه التراث الثقافي والنساء.

بهاران لهيب

أفغانستان ـ بعد خمس سنوات من عودة حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان عام 2021، أعادت تصريحات عبد الله سرحدي، الحاكم السابق لطالبان في ولاية باميان، مرة أخرى جزءاً من ماضي طالبان ونظرتهم إلى تاريخ البلاد وثقافتها إلى النقاش العام، وتحدث في حوار مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن دوره في تدمير التماثيل التاريخية لبوذا في باميان، مؤكداً أنه ليس نادماً على هذا العمل.

لم تكن تماثيل بوذا في باميان مجرد تمثالين حجريين كبيرين؛ بل كانت هذه الآثار جزءاً من التراث التاريخي والثقافي لأفغانستان، وتُعد تذكاراً من حضارات الماضي في هذه البلاد، وقد أدى تدميرها عام 2001 إلى رد فعل عالمي واسع، وأصبح أحد رموز تعامل طالبان مع التراث الثقافي لأفغانستان.

ويأتي اعتراف عبد الله سرحدي بدوره عن تدمير هذه الآثار في سياق لافت، إذ إنه عاد، عقب استعادة طالبان للسلطة، إلى شغل مناصب حكومية في صفوف الحركة؛ فتولى في البداية منصب حاكم باميان، قبل أن يُعيّن حاكم على جوزجان. ويثير ذلك جملة من التساؤلات بشأن مدى التحول الذي طرأ على رؤية طالبان وسياستها تجاه ماضي أفغانستان وتراثها الثقافي، فضلاً عن المكانة التي يحظى بها هذا التراث في أفغانستان اليوم.

وفي الوقت نفسه، وصف النساء بأنهن "ناقصات عقل"، واعتبر أن ذهابهن إلى المدارس قد يؤدي إلى "جرّهن إلى الدعارة". وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة، ولا سيما في أوساط النساء اللواتي عبرن عن رفضهن ورفعن أصواتهن احتجاجاً عليها.

يلدا أحمد، الأخصائية النفسية والناشطة في مجال حقوق المرأة، رفضت تصريحات عبد الله سرحدي قائلة "في الأيام الأخيرة، نشرت بي بي سي فيلماً وثائقياً عن إمارة طالبان، وفي هذا الفيلم الوثائقي، عرضت شخصيات مختلفة من طالبان أفكارهم التي تعود إلى العصور الوسطى، لكن حديث عبد الله سرحدي، يُظهر عمق كراهية النساء والجهل لدى هذه الحركة، فهو يقول في حديثه (النساء ناقصات العقل. لا ينبغي السماح لهن بالذهاب إلى المدرسة، وعندما يذهبن إلى المدرسة الدينية، تتمزق أعينهن ويتحدثن بأشياء تجعل الإنسان يبقى حائراً في شأنهن)".

وشرحت يلدا أحمد مصطلح "تمزق العينين" المتداول بين عامة الناس بالقول أنه يستخدم في أفغانستان بمعنى "انعدام الحياء، وسوء الأخلاق، وبشكل أكبر سوء السلوك الجنسي".

وأضافت "ما قاله ليس شيئاً جديداً، فمنذ بداية وصول طالبان إلى السلطة وحتى اليوم، أظهروا عملياً، من خلال إصدار قوانين ومراسيمهم الجاهلة والمستبدة والمعادية للنساء، طبيعة سياساتهم. لقد أغلقوا أبواب المدارس والجامعات، ولا يسمحون للنساء بالذهاب إلى المكاتب والعمل، كما أغلقوا في وجوههن الحدائق والأماكن الترفيهية، ومنعوهن من الذهاب إلى صالونات التجميل ومن كل شيء يمكن أن يجعل النساء يشعرن ولو بقليل من الراحة، وهم يقولون فقط إن النساء يجب أن يبقين مسجونات داخل الجدران الأربعة للبيوت، ولا يُسمح لهن بالخروج من دون محرم".

وأشارت إلى الدور البطولي الذي لعبته النساء في مواجهة مختلف أشكال الأصولية، من الجماعات الجهادية إلى طالبان وداعش "إذا نظرنا إلى التاريخ، ففي هذا العقد الأخير نفسه، نلاحظ في أفغانستان وبلدان مختلفة، أن النساء تعرضن دائماً للعنف من جانب القوى أو الجماعات المستبدة والمعادية للنساء، لكن على العكس، إذا تذكرنا نساء كردستان، فإن داعش مارس العنف ضدهن، وارتكب بحقهن اضطهاداً لا يُحصى، لكن أول من قاتله هن النساء أنفسهن، بشجاعة وبسالة، كبطولات نساء كوباني".

وأضافت "داعش قالت لعناصرها (من يُقتل على يد النساء، فهو ليس شهيد)، أي لا تُقام الصلاة على جثته، لكن هؤلاء النساء البطلات في كوباني وفي مختلف أجزاء كردستان هن اللواتي صنعن مقبرة الموت لـ داعش".

والنساء كما تقول لديهن تاريخ نضالي مشرف في العديد من المناطق "إذا ذهبنا إلى تاريخ بلدان أمريكا اللاتينية، أو فلسطين، أو بلدان مختلفة، فإننا نرى أن النساء البطلات في هذه البلدان وقفن بكل شجاعة وبكل ثبات في مواجهة القوى الدينية وغير الدينية الجاهلة والمعادية للنساء، وناضلن ضدها".

وأشارت إلى "صمود ونضال النساء الواعيات والمناضلات في إيران، اللواتي يقفن منذ عقود في مواجهة أكثر الأنظمة الإسلامية جهلاً ووحشية وسفكاً للدماء في العالم، ويقاومن ويناضلن، ويصبغن السجون والمشانق بدمائهن. وبالمثل، نرى أن نساء بلدنا لم تمنعهن هذه القوانين والقرارات والتصريحات الصادرة عن طالبان من الصمود والمقاومة، بل على العكس، أدركن أن علاج جميع الآلام هو النضال، ولهذا السبب، وبأي شكل كان ممكناً، وبأي طريقة استطعن إليها سبيلاً، وقفن بشجاعة وبطولة في مواجهة طالبان، وناضلن، واحتججن، ورفعن أصواتهن، وخرجن إلى الشوارع، بل وتحملن حتى التعذيب الوحشي الذي مارسته الحركة".

وفي ختام حديثها، قالت يلدا أحمد "نؤمن بأنه سيأتي يوم تتحد فيه نساء العالم أجمع، ويتضامن فيما بينهن، ويقفن صفاً واحداً في مواجهة كل فرد أو جماعة أو جهة تعادي النساء، وكل مستبد يمارس القمع والتمييز ضدهن. وعندها، ستتجلى قوة الشعوب التي لا تنضب، وفي مقدمتها قوة النساء، لتتمكن من إسقاط المستبدين وإنهاء الظلم والاستبداد".