من حرب إلى حرب... فلسطينية عالقة في غزة
فرت أسيل عميرة من صراع السودان بحثاً عن الأمان لطفليها، لتجد نفسها في مواجهة حرب غزة، حيث تتواصل معاناتها بين النزوح والجوع وتعثر المساعدات، فيما تحلم بلم شمل أسرتها واستعادة حياة كريمة.
نغم كراجة
فلسطين ـ لجأت أسيل عميرة من السودان إلى قطاع غزة في نيسان/أبريل 2023 برفقة طفليها بحثاً عن الأمان، بينما بقي زوجها في الخرطوم. وبعد ستة أشهر، اندلعت الحرب في غزة، لتجد نفسها عالقة بين حربين، تعاني النزوح والجوع وحرمان طفليها من الحياة الطبيعية، عاجزة عن العودة إلى منزلها.
تتذكر الفلسطينية أسيل عميرة (٣٠ عاماً)، أن مغادرتها منزل والدها في قطاع غزة بفلسطين، للمرة الأولى لم تكن تعني بالنسبة إليها، بداية نزوح طويل، كانت تعتقد أنها ستعود بعد فترة قصيرة، ولم تتخيل أن تتحول محطات النزوح والخوف إلى واقع مستمر لسنوات. وتقول "عندما خرجنا من المنزل للمرة الأولى، ظننا أننا سنعود قريباً لم يخطر ببالنا أن تطول المدة إلى هذا الحد، وأن نجد أنفسنا عالقين هنا".
وتضيف "هربت من السودان كي أنجو بأطفالي من الحرب، فإذ بي أجد حرب غزة أمامي، كان القصف مرعباً، وكل ما يشغلني هو كيف أحمي طفليّ وأضمن نجاتهما".
مساعدات لا تصل دائماً
تمسكت أسيل عميرة بالبقاء في منزل والدها، لكن تصاعد الهجمات أجبرها على مواجهة النزوح المتكرر بحثاً عن الأمان. وتؤكد أن المجاعة كانت أقسى ما عاشته مع طفليها، إذ واجهت صعوبة في توفير الطعام لهما وسط شح الموارد وتعذر الوصول إلى المساعدات، في ظل خوف دائم على سلامتهما.
كما اصطدمت أيضاً بعقبات إدارية تحول دون حصول أسرتها على بعض المساعدات الإغاثية، فكونها فلسطينية متزوجة من سوداني، ويحمل طفلاها الجنسية السودانية، يجعل إثبات وضع الأسرة وتقديم بياناتها للمؤسسات أكثر تعقيداً، وفق روايتها.
وتوضح أن بعض الجهات تطلب بيانات شخصية كاملة، ثم تستفسر عن وضع الزوج ومكان وجوده، وتطلب إثباتاً بأنه خارج قطاع غزة وليس مقيماً مع الأسرة، وتقول إن خانة الجنسية السودانية في وثائقها تزيد صعوبة الإجراءات، وإنها تضطر إلى بذل محاولات متكررة لاستكمال التسجيل.
وبينت أنها اقترحت على زوجها تسجيل مقطع فيديو يوضح فيه أنه موجود خارج القطاع، وأن أسرته عالقة في غزة، على أمل أن يساعد ذلك في إثبات وضعهم، ومع ذلك، لا تحصل الأسرة على المساعدات في كل مرة.
وبعد سنوات من المناشدات، لم تعد ترى أن حاجتها تقتصر على الطرود الغذائية أو المساعدات المؤقتة، بل باتت تطالب بحل يتيح لها الخروج من القطاع واستعادة حياتها الأسرية.
حين تتحدث أسيل عميرة عن العودة، لا تتحدث عن مكان مجهول؛ فلديها منزل في الخرطوم، وحياة كانت تتمنى أن تستأنفها بعد انتهاء الصراع لكنها لا تستطيع، حتى الآن، تحويل هذه الرغبة إلى خطة قابلة للتنفيذ.
وتؤكد أن مطلبها الأساسي يتمثل في فتح المعبر أمامها للسفر إلى مصر حتى تتمكن من الوصول إلى الخرطوم لاستعادة استقرار أسرتها "لا أريد أكثر من أن أعيش حياة طبيعية، أريد أن أطعم أطفالي وأسقيهم، وأن أرافق ابنتي إلى المدرسة مثل بقية الأمهات، أريد أن نعيش حياة كريمة".
التعليم حق مؤجل
تواجه أسيل عميرة صعوبات في تسجيل ابنتها بالمدرسة بسبب محدودية المقاعد والرسوم، إذ طلبت إحدى المدارس نحو 50 دولاراً لتسجيل طفل في الصف الثاني، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر المتضررة من الحرب. ومع عدم استيعاب المدارس الحكومية لجميع الأطفال، تبقى فرص التعليم محدودة أمام أسرتها.
ولا تنتهي الأعباء عند الطعام والتعليم؛ فالحياة داخل الخيمة تفرض تحديات يومية تتعلق بالخصوصية واستخدام المرافق الصحية، خصوصاً عندما تكون بعيدة عن مكان إقامتها المؤقتة، وتقول إنها تضطر أحياناً إلى طلب المساعدة لقضاء احتياجاتها الأساسية، في تجربة تمس كرامتها واستقلاليتها.
لم الشمل ضرورة إنسانية
تتجاوز قضية أسيل عميرة حدود المعاناة الفردية، لتكشف كيف تتداخل الحرب والنزوح والفصل بين أفراد الأسرة مع العقبات الإدارية والاقتصادية، فتتحول أبسط الحقوق إلى مطالب مؤجلة.
وحذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من تفاقم الانفصال الأسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي وزواج الأطفال في غزة خلال الربع الأول من عام 2026، بالتزامن مع تدهور الأوضاع الإنسانية. كما أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى استمرار جهود حماية الأطفال ولم شمل المنفصلين عن أسرهم.
وتشير هذه المعطيات إلى اتساع الحاجة إلى حماية الروابط الأسرية، لكنها لا تقدم رقماً شاملاً يحدد عدد النساء الأجنبيات أو الزوجات العالقات في غزة بسبب تعذر السفر ولم الشمل.
وتطالب أسيل عميرة بتوفير مسار آمن وواضح يتيح لها مغادرة غزة، لتتمكن من استعادة حياتها مع طفليها، مؤكدة أن حقها وأطفالها هو العيش بكرامة وأمان ولم شمل الأسرة بعيداً عن المعاناة المستمرة.