مهندسة عراقية تنجح في تصنيع سبعة أجهزة طبية مبتكرة
تقدم سارة سهيل نجم نموذجاً لابتكار شبابي عراقي استطاع تحويل شغف "البرمجة الطبية" إلى أجهزة عملية، إذ صنعت خلال سنوات قليلة سبعة أجهزة طبية محلية، مستفيدة من خبرتها في "تقنيات الأجهزة الطبية" رغم التحديات اللوجستية وضعف الإمكانات.
رجاء حميد رشيد
العراق ـ وسط التحديات التي فرضتها جائحة كورونا، برزت الشابة سارة سهيل نجم بوصفها نموذجاً للشباب الطموح في مجال الابتكار الطبي، إذ تمكنت من تحويل شغفها بالبرمجة وتقنيات "الأردوينو" إلى مشاريع طبية ناجحة تخدم المرضى والمؤسسات الصحية.
تعمل سارة سهيل نجم مهندسة تقنيات أجهزة طبية ومعيدة في الجامعة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا في ذي قار، حيث بدأت رحلتها مع البرمجة من خلال التعلم الذاتي، مركزة على تقنية "الأردوينو" وهي منصة إلكترونية تُستخدم عالمياً في بناء أنظمة التحكم الذكية عبر أكواد برمجية بسيطة، وتدخل في مجالات التعليم والروبوتات والتطبيقات الطبية.
من جائحة كورونا إلى ابتكار الطب
وقالت سارة سهيل نجم إن نقطة البداية الحقيقية كانت خلال جائحة كورونا عام 2020، عندما شهدت المستشفيات نقصاً حاداً في الأجهزة الطبية، لافتة إلى أن عمها، وهو أحد منتسبي وزارة الصحة، كان ينقل للعائلة يومياً تفاصيل ما يجري داخل المستشفيات، الأمر الذي دفعها للتفكير بصناعة أجهزة طبية محلية.
وأضافت أن أول جهاز عملت على تصنيعه كان جهاز مراقبة العلامات الحيوية (Patient Monitor)، والذي منحها فرحة النجاح الأولى، إذ جرى استخدامه على أحد أفراد عائلتها، كما تم تجريبه في المستشفى، وكانت حساسات الجهاز تعمل بتقنية الأشعة تحت الحمراء (Infrared – IR).
وأوضحت أنها واصلت تطوير مشاريعها الطبية، فصممت جهاز الطرد المركزي (Centrifuge) المستخدم في فصل عينات الدم داخل المختبرات، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى تصنيع جهاز التنفس الصناعي (Ventilator)، مستفيدة من تقنية الأردوينو في تشغيل المستشعرات والمحركات بدقة عالية.
وبينت أن أغلب القطع الإلكترونية المستخدمة في تصنيع الأجهزة كانت متوفرة خارج المدينة، فيما جرى تصنيع بعض الأجزاء بتقنيات الطباعة الحديثة خارج العراق، الأمر الذي تسبب بتأخير وصولها وارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل كبير.
وأكدت أن تخصصها في هندسة تقنيات الأجهزة الطبية أسهم في تطوير مهاراتها العلمية والعملية، موضحة أن القسم وفر لها الأساس العلمي لفهم الأجهزة الطبية وآليات تطويرها.
طموح هندسي يتحول إلى إنجازات طبية
وأوضحت سارة سهيل نجم أنها تمكنت من تصنيع سبعة أجهزة طبية ناجحة، كان أولها جهاز لقياس العلامات الحيوية خلال جائحة كورونا، إذ يقيس نسبة الأوكسجين في الدم وعدد ضربات القلب ودرجة الحرارة، مع اعتماد تقنية القياس عن بُعد لتقليل التلامس ومنع انتقال العدوى بين المرضى.
أما الجهاز الثاني فكان جهازاً مختبرياً لفصل عينات الدم، تميز بانخفاض تكلفته مقارنة بالأجهزة المستوردة، مع كفاءة تشغيلية مماثلة. كما عملت على تصنيع طرف صناعي جرى التبرع به لأحد الجرحى.
وبينت أنها شاركت كذلك في تصنيع أجهزة تخطيط القلب (ECG) وتخطيط العضلات (EMG) وتخطيط الدماغ (EEG)، مؤكدة أن جميع هذه الأجهزة خضعت لإشراف أطباء مختصين وحققت نتائج ناجحة.
وأشارت إلى أن آخر مشاريعها الطبية كان جهازاً يجمع بين جهاز قياس العلامات الحيوية وجهاز التنفس الصناعي في منظومة واحدة محمولة وسهلة الاستخدام، إذ يستطيع قياس معدل التنفس ومتابعة حالة المريض وفق عمره ووضعه الصحي.
تحديات اعترضت طريقها
وعن أبرز التحديات التي واجهتها، أوضحت سارة سهيل نجم أن البداية كانت الأصعب بسبب ضعف خبرتها البرمجية وقلة معرفتها بالقطع الإلكترونية، إضافة إلى ظروف الحظر الصحي وصعوبة نقل القطع بين المدن خلال جائحة كورونا.
وأضافت أن فكرة تصنيع جهاز طبي محلي على يد طالبة لم تتخرج بعد بدت صعبة بالنسبة للكثيرين، مشيرة إلى أن إقناع بعض الأساتذة بقدرتها على النجاح لم يكن أمراً سهلاً، إلا أن النتائج العملية أثبتت كفاءتها.
وتحدثت عن تجربتها الأولى في استخدام جهازها الطبي، قائلة إنها استخدمت جهاز الـ (Patient Monitor) على أحد أفراد عائلتها المصاب بفيروس كورونا، ووصفت شعورها آنذاك بالرضا الكبير، معتبرة أن رؤية نتائج العمل بعد الجهد كانت أعظم مكافأة حصلت عليها.
وأكدت أنها تتمنى، بصفتها معيدة جامعية، أن يسير طلابها على النهج ذاته في التعلم والتطوير، وأن يحققوا نتائج أفضل مما حققته، مشيرة إلى أن مصادر التعلم أصبحت متاحة للجميع عبر الإنترنت ومنصات التواصل الافتراضي ويوتيوب، إلى جانب الاستفادة من خبرات أساتذة الجامعة.
وبينت أن الجهاز الذي منحها فرحة النجاح الأولى سيبقى الأقرب إلى قلبها لأنه كان نقطة الانطلاق في رحلتها، فيما كان مشروع التخرج الأكثر إرهاقاً بسبب كونه مشروعاً مبتكراً مع صعوبة توفير جميع الأدوات اللازمة لتنفيذه.
كما كشفت عن مشروعها الجديد مع طلبتها، والمتمثل في صناعة الطائرات المسيّرة "الدرونات"، رغم ابتعاده عن تخصصها الأساسي، مؤكدة أن التجربة مثلت خطوة جديدة نحو التعلم واكتساب مهارات إضافية، وأن الفريق تمكن من تحقيق المركز الثاني على مستوى الجامعة في معارض إنتاجات الطلبة.
وأهدت سارة سهيل نجم إنجازاتها وعملها في تصنيع الأجهزة الطبية السبعة إلى عائلتها التي كانت الداعم الأول لها، وإلى أساتذتها وكل مريض يحتاج إلى هذه الأجهزة ولا يستطيع الحصول عليها.