ما هي استراتيجية النظام الأبوي لمنع استقلال النساء؟
لم تعد الأبوية تعتمد فقط على المنع والقيود المباشرة، بل أصبحت تتسلل أحياناً عبر صور تبدو جذابة وطبيعية للمرأة. ومن أبرز هذه الصور تمجيد السلوك الطفولي والضعف بوصفهما جزءاً من الأنوثة، الأمر الذي قد يسهم في إضعاف استقلال المرأة وإعادة إنتاج تبعيتها للرجل.
سارة بورخزري
كرماشان ـ متى أصبحت الطفولية جزءاً من صورة المرأة الجذابة؟ في الإعلام ووسائل التواصل الافتراضي، تُقدَّم أحياناً الرقة والضعف والاعتماد على الآخرين باعتبارها صفات أنثوية مرغوبة، ما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان هذا النموذج مجرد اختيار فردي أم امتداداً لثقافة تعيد إنتاج تبعية المرأة وتحدّ من استقلالها.
تخيلوا امرأة بالغة تُظهر في كلامها وسلوكها نفسها كطفلة صغيرة؛ من استخدام الكلمات الطفولية إلى إظهار عدم قدرتها على القيام بأبسط المهام. أحياناً تكون هذه السلوكيات اختياراً واعياً، وأحياناً تتشكل تحت تأثير الأنماط الاجتماعية والثقافية، لكن لماذا تحولت محاكاة الطفولة لدى بعض النساء إلى جزء من صورة "المرأة الجذابة"؟
يرى منتقدو هذه الظاهرة أن جذورها تكمن في الثقافة الأبوية التي تربط الأنوثة بالرقة والضعف والتبعية والطاعة، وتدفع النساء من خلال ذلك إلى إعادة إنتاج صورة طفولية والابتعاد عن الاستقلال والقدرة على الاعتماد على الذات.
عندما يتحول الضعف إلى صفة أنثوية
تقول فرنكيس. ف، الناشطة في مجال حقوق المرأة في كرماشان شرق كردستان "إذا نظرنا إلى الفضاء الافتراضي أو إلى المجتمع في الواقع، سنجد مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين يواصلون تقديم النصائح بأن المرأة لا ينبغي أن تكون قادرة على إصلاح الأجهزة أو القيام بالأعمال بشكل مستقل. إنهم يدفعون النساء نحو أنشطة لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى زيادة اعتمادهن على الرجال، وقد تحولت هذه الأنماط تدريجياً إلى صفات تُقدَّم باعتبارها جذابة لدى النساء؛ نساء يجب أن يتصرفن كالأطفال، وأصبحت هذه الطفولية معياراً للشعبية في نظر كثير من الرجال".
وأضافت "لكن لا ينبغي أن ننسى أن وراء هذا المظهر البسيط لا تكمن الأبوية وحدها، بل هناك تهديد أعمق وأكثر خطورة. أعتقد أن ميل بعض الرجال إلى إقامة العلاقات والتواصل مع الأطفال ينعكس في هذه الأنماط، ويمكن القول بلا تردد، إن الرجال الذين يرغبون في نساء يتصرفن كالأطفال لديهم في لاوعيهم ميول بيدوفيلية".
وترى أنه "من خلال إعادة إنتاج هذه الأنماط، يحاول هؤلاء حرمان النساء من النضج والاستقلال واختزالهن إلى مستوى طفولي، وهذه العملية لا تحدّ من حرية النساء وقدراتهن فحسب، بل تعرض المجتمع أيضاً للخطر؛ لأن جعل الطفولية لدى النساء أمراً طبيعياً يمهد عملياً لتطبيع الميول المرضية، لذلك، فإن انتقاد هذه الأنماط ومقاومتها لا يمثل مجرد دفاع عن حقوق النساء، بل هو أيضاً إجراء ضروري لحماية الصحة الاجتماعية ومنع إعادة إنتاج العنف والاستغلال في المجتمع".
وتوضح الفيلسوفة الفرنسية سيمون دو بوفوار في كتابها "الجنس الآخر" كيف يدفع المجتمع الأبوي النساء نحو أدوار ضعيفة وتابعة وتحتاج إلى التوجيه، وتُعدّ طفولة النساء جزءاً من هذه الآلية؛ إذ تعمل وسائل الإعلام والإعلانات والموضة على تقديم المرأة المثالية باعتبارها كائناً مطيعاً، قليل الخطورة، ومعتمداً على الرجل، ووفق هذا التصور، يتحول الجمال إلى جانب الضعف وقلة الذكاء إلى معيار للجاذبية الأنثوية.
كيف تعيد وسائل الإعلام إنتاج صورة المرأة الطفولية؟
إذا تم البحث عن مثال بارز لهذا النمط في الماضي، سيتم التوصل إلى إحدى أولى الصور النمطية الإعلامية، وهي صورة "الشقراء الغبية"، وهي صورة نمطية نشأت في هوليوود وظلت منذ القرن الماضي وحتى اليوم تُقدَّم بوصفها رمزاً للمرأة الجذابة.
ومن أبرز الأمثلة على هذه الصورة مارلين مونرو؛ الممثلة التي رغم مرور أكثر من 60 عاماً على وفاتها، لا تزال رمزاً للجاذبية الأنثوية في الثقافة العامة.
وقدمت الصورة الإعلامية لمارلين مونرو امرأة شديدة الجمال، لكنها تفتقر إلى الذكاء العقلاني وتعتمد بصورة كاملة على اهتمام الرجال، ووفقاً للنص، فإن هذه الصورة تمثل تحديداً ما يريده النظام الأبوي: امرأة مطيعة، قليلة الذكاء، وفي خدمة الرغبة الذكورية.
ولا تمثل هذه الصورة النمطية سوى مثال صغير على عملية أوسع لإنتاج شخصيات نسائية مطيعة وقليلة الذكاء؛ شخصيات يُراد لها أن تصبح نماذج سلوكية للنساء في الواقع، وخلال العقود الماضية وحتى اليوم، ظهرت نماذج مشابهة في الشخصيات الكرتونية، وشخصيات القصص، والأشعار، والإعلانات، وحتى لدى المؤثرين على وسائل التواصل الافتراضي، وفي نهاية المطاف، تدفع هذه الصور النساء نحو شخصية تتصرف مثل طفلة مطيعة، وتبتعد عن النضج والاستقلال.

محو استقلالية النساء
وتقول الصحفية ميترا. ث، إن تشجيع النساء على سلوكيات تضعهن في موقع الضعف والعجز وعدم القدرة على اتخاذ القرارات أصبح اليوم متغلغلاً بين كثير من النساء، وهذا الأمر "يمكن أن يكون خطيراً جداً"، وأن "النظام الأبوي يمتلك آلية تغيّر شكلها باستمرار، وتعود في كل مرة بمظهر جميل وجذاب ويبدو طبيعياً، حتى تتمكن مجدداً من التغلغل في أذهان النساء وسلوكهن".
وأضافت "إذا فتحنا اليوم أي صفحة على إنستغرام أو غيره من المنصات، سنواجه موجة من الرجال الذين يواصلون الحديث عن ضرورة امتلاك المرأة "طاقة أنثوية"، لكنهم لا يعرّفون هذه الطاقة بالقوة أو الإبداع أو الاستقلال، وإنما بعدم القيام بالأنشطة التي يرون أنها يجب أن يكون من اختصاص الرجال وحدهم؛ وكأن الرجال يمتلكون تصريحاً حصرياً للقيام بالأعمال المهمة أو التقنية أو التي تتطلب اتخاذ القرارات".
وفي واقع الأمر كما تؤكد "ينبغي للنساء أن يدركن أن أي نمط يبعدهن عن الاستقلال والقدرة على اتخاذ القرار والتمكين يحمل في داخله أثراً واضحاً للأبوية، وقد تُقدَّم هذه الأنماط في صورة نصائح تبدو لطيفة، أو عبارات تحفيزية، أو حتى إرشادات نفسية، لكن هدفها في النهاية واحد: تقييد المرأة وإعادتها إلى موقع تابع ومطيع وقليل القوة".
سلب استقلال النساء... الوجه الجديد للأبوية
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن انتشار تشجيع النساء على السلوكيات الطفولية خلال السنوات الأخيرة له جذور عميقة في النظام الأبوي، فهذا المسار هو في الواقع إحدى حيل هذا النظام القديمة، الذي يحاول من خلال إعادة إنتاجها في قالب حديث أن يستخدم مجدداً سلاحاً قديماً لكنه فعال؛ سلاحاً يستهدف استقلال المرأة، ويحاول من خلال وجه خادع وقناع زائف، تمهيد الطريق لتغلغل الأبوية في أعمق طبقات معتقدات النساء، من أجل استعادة السيطرة على قوتهن من جديد.