كل عودة إلى شنكال تحمل معها حكاية
بعد سنوات من النزوح القسري والمعاناة التي خلفها اجتياح داعش لشنكال عام 2014، تعود الأم عمشة إلى منزلها حاملةً معها ذاكرة مثقلة بالفقد والألم، لكنها متمسكة بالأمل بأن يكون السلام بدايةً لحياة جديدة تنهي سنوات العنف والتشرد.
كولستان عزيز
شنكال ـ وقفت الأم عمشة أمام باب منزلها في شنكال، انحنت ببطء، وقبّلت عتبته، ثم قالت بصوت اختلطت فيه الدموع بالفرح "لقد عدت إلى أرض الآباء والأجداد. كنت أدعو الله ألا أموت قبل أن أعود إلى هذه الأرض".
لم تكن تلك القبلة مجرد تحية لمنزل هجرته قسراً، بل إعلاناً بانتهاء رحلة نزوح امتدت لسنوات، بدأت مع اجتياح داعش الإرهابي لشنكال عام 2014، وانتهت بعودة حملت معها ذاكرة مثقلة بالفقدان والمعاناة.
كانت الأم عمشة مراد وحدها عندما اجتاح داعش المنطقة، وبمساعدة أقاربها تمكنت من الفرار إلى إقليم كردستان، تاركة خلفها منزلها وأرضها وكل ما تملكه، ولم تكن تلك بداية حياة جديدة، بل بداية سنوات طويلة من النزوح.
تروي أنها انتقلت قبل الهجوم مع أسرتها إلى الشيخان بعد وفاة زوجها، لكنهم لم يجدوا بيتاً يؤويهم، فتنقلوا بين خيام الأقارب ومخيمات النازحين "لم يكن لدينا حتى فراش ننام عليه. كنا نضع أحذيتنا تحت رؤوسنا، ونقضي ليالينا فوق حصيرة صغيرة داخل خيمة لا تقي من برد الشتاء ولا من حر الصيف".
وأشارت إلى أن الحصول على خيمة لم يكن أمراً سهلاً، إذ اضطرت إلى مراجعة المسؤولين مراراً، بينما كان بعض النازحين يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على المساعدات، وفي إحدى الليالي العاصفة كانت الرياح تكاد تقتلع خيمتها، ولم تكن تملك سوى بطانيتين ووسادتين لتدفئة أطفال العائلة.
ست سنوات كاملة أمضتها الأم عمشة داخل الخيام، متنقلة بين صيف لاهب وشتاء قارس، قبل أن تتحقق أمنيتها بالعودة إلى شنكال، وعندما وطئت قدماها أرض قريتها مجدداً، شعرت وكأنها استعادت جزءاً من روحها "الوطن يبقى أجمل مكان، وشنكال أجمل من كل مكان".
لكن العودة لم تمحِ آثار الفقد، فما زالت تستذكر قريتها الأصلية "باره"، وينابيعها وحقولها وكرومها التي تركتها خلفها، كما تستذكر أبناء عائلتها الذين غيبتهم الحروب والمجازر، ورغم كل ما مرت به، لا تزال تتمسك بالأمل وتقول "كانت الحياة فيما مضى أكثر نقاءً وخيراً، ولم يكن البشر بهذه القسوة".
وتؤكد أن أمنيتها اليوم هي أن يعيش الجميع بسلام واحترام متبادل، وأن يحافظ كل إنسان على دينه ومعتقده دون خوف أو اضطهاد، لأن السلام وحده قادر على أن يداوي ما خلفته سنوات العنف.