خلف جدران ننكرهار... قصص نساء تواجهن العنف والحرمان

كانت ننكرهار من أهم مراكز التعليم والتنوير والحضور الواسع للنساء المتعلمات في أفغانستان، لكنّ النساء اليوم، إلى جانب الفقر وانعدام الأمن، أصبحن أكثر الفئات تضرراً من العنف والقيود والأعراف والتقاليد التي جعلت الحياة أكثر قسوة عليهن.

بهاران لهيب

ننكرهار ـ تُعد ننكرهار إحدى الولايات الشرقية في أفغانستان، كانت قبل انقلاب 27 نيسان/أبريل 1978، تُعرف بمدارسها النشطة، وانتشار الطبقة المتعلمة، ومشاركة النساء في التعليم، فقد كانت كثير من العائلات ترسل بناتها إلى الجامعات لإكمال دراستهن، وكان المناخ الاجتماعي في هذه الولاية أقل خضوعاً للأفكار المتطرفة مقارنة باليوم.

لكن الحروب التي استمرت لعقود، ودعم الدول الأجنبية للجماعات الجهادية، وانتشار المدارس الدينية، وقمع القوى التنويرية والديمقراطية، غيّرت ملامح ننكرهار، فقد قُتل كثير من الأساتذة والناشطين المدنيين والكتّاب والمتعلمين، أو أُجبروا على الهجرة والصمت، ومع هذه التحولات، أُقصيت النساء تدريجياً من مجالات اجتماعية عديدة.

واليوم، إذا دخلت مدينة جلال آباد، يمكن ملاحظة آثار هذا التغيير بوضوح، فالنساء اللواتي كنّ حاضرات في المدارس والجامعات والدوائر الرسمية، أصبحن اليوم خلف جدران المنازل؛ يعشن ليس فقط تحت وطأة الفقر والبطالة، بل أيضاً في خوف دائم من العنف والأحكام الاجتماعية.

         


        

نسيمة ولي تعيش في إحدى مناطق ننكرهار وهي أم لستة أطفال، تقطن في منزل صغير مظلم لا يضم سوى بضع غرف ضيقة، تضطر عدة عائلات إلى تقاسمها، وبعد مقتل زوجها، لجأت مع أطفالها إلى منزل إخوة زوجها "كان زوجي عسكرياً، ودخله محدوداً، لكنه كان يكفينا للعيش، وبعد عودة حركة طالبان إلى السلطة، قُتل بالقرب من المنزل، ومنذ ذلك اليوم انهار كل شيء فوق رأسي".

تتحمل نسيمة ولي اليوم مسؤولية إعالة ستة أبناء؛ ثلاث فتيات مراهقات وثلاثة أولاد، أحدهم طفل صغير "أصعب ما في حياتي ليس الفقر فقط، بل الخوف الذي أعيشه يومياً داخل هذا البيت، فأحياناً أقضي النهار كله أفكر بما سأطعمه لأطفالي في الليل، لكن خوفي الأكبر على بناتي. هنا، إذا كانت الفتاة الصغيرة بلا أب، يظن الجميع أن من حقهم التدخل في حياتها".

وتبين أن "أحد إخوة زوجي، رغم أنه لا يساعدنا في مصاريف المعيشة، يفرض قيوداً مستمرة على بناتي؛ من طريقة لباسهن إلى خروجهن وكلامهن، وقبل أيام حاول ضرب ابنتي الكبرى، فتدخل ابني ذو الاثني عشر عاماً للدفاع عنها، فطعنه بسكين في يده".

وتوقفت الأم عدة مرات أثناء حديثها، وكانت ابنتها جالسة إلى جانبنا مطأطئة الرأس طوال الوقت، ولم تنطق بكلمة، ولم ينقطع الحديث إلا عندما سُمِع صوت رجل من ساحة المنزل.

في كثير من العائلات الأفغانية، لا تواجه المرأة التي تفقد زوجها الفقر وحده، بل أيضاً ضغوطاً اجتماعية قاسية، إذ يُتوقع منها أن تتحلى بـ "الصبر"، وأن تكرّس حياتها كلها لأطفالها، وإذا حدث زواج جديد، فغالباً لا يكون بقرارها، بل تتولى عائلة الزوج تقرير مستقبلها.

         


        

في المقابل، يُعد زواج الرجل مرة أخرى أمراً طبيعياً، حتى لو كان فارق العمر كبيراً بينه وبين الزوجة، أما المرأة التي ترغب في بدء حياة جديدة، فتواجه غالباً الأحكام المسبقة والإهانة واللوم كما أوضحت نسيمة ولي "بعد وفاة الزوج، تفقد المرأة حقها في تقرير حياتها. الجميع يظنون أن بإمكانهم اتخاذ القرارات عنها؛ من ملابس بناتها إلى مواعيد نومها وخروجها".

وتحدثت عن ليالٍ تخشى فيها بناتها حتى الخروج إلى ساحة المنزل، وعن أيام لا يجدون فيها سوى الخبز اليابس والشاي وعن خوفها الدائم من أن تقع إحدى بناتها ضحية للعنف أو الزواج القسري "الفقر يكسر الإنسان، لكن الإهانة تحرقه أكثر. كل ما أريده هو أن تبقى بناتي على قيد الحياة، وألا يتحطمن مثل ملايين النساء في أفغانستان".

إن قصة نسيمة ولي ليست حكاية عائلة واحدة فقط، بل هي صورة لمعاناة كثير من النساء في ننكرهار وسائر الولايات الأفغانية، حيث تعشن اليوم تحت ضغط متزامن من الفقر والعنف الأسري والقيود الاجتماعية، من دون فرص للعمل أو حرية التعليم أو الشعور بالأمان.

ومع ذلك، لا تزال هناك نساء ترفضن الاستسلام؛ نساء تدافعن عن بناتهن رغم الخوف، وتواجهن العنف، وتحاولن إبقاء الأمل حياً، وربما تكون هذه المقاومات الصغيرة والصامتة آخر ما يثبت أن حلم الحرية والعدالة ما يزال حياً في أفغانستان.