خلف جدار الحجاب كيف يخفي النظام الإيراني الفقر بأجساد النساء؟

في مدينة تُرى فيها آثار الفقر على أجساد النساء والأطفال، تحوّل الحجاب إلى أداة لإخفاء أزمات أكثر عمقاً، لقد جعلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية جسد المرأة ساحة للسياسات الرسمية، ووسيلة لتحويل الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد.

سارة بورخزري

كرمانشان ـ في أحد أحياء كرمانشان شرق كردستان، تنبش امرأة في حاوية نفايات بحثاً عن طعام، بينما يستجدي طفل حافي القدمين المارة. مشهدان يتكرران يومياً في واحدة من أكثر المدن الكردية في إيران فقراً وحرماناً، حيث تتجسد المعاناة في وجوه الناس لا في الإحصاءات. ورغم هذا الواقع، تركز السلطات على ملء جدران المدينة بشعارات مثل: "السفور يجلب العذاب الإلهي"، في تجسيد لسياسة توظف قضية الحجاب لصرف الأنظار عن الأزمات المعيشية وتعزيز أدوات السيطرة.

 

الحجاب أداة لإخفاء الأزمات الحقيقية

على مدى أكثر من أربعة عقود من حكم الجمهورية الإسلامية، اعتمدت السلطة على قضية الحجاب لصرف الأنظار عن معاناة الشعب، وتحويل اهتمام المجتمع من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى مراقبة أجساد النساء والتحكم بها، ففي إيران، لا يُعد الحجاب مجرد قضية دينية أو ثقافية، بل أحد الركائز الأساسية لمنظومة القمع، إذ تسخر الدولة للحفاظ عليه موارد بشرية ومالية ضخمة، وتسن القوانين، وتشن حملات دعائية، وتمارس أشكالاً مختلفة من العنف المنظم.

وفي هذا السياق، يتحول الحجاب إلى أداة للضبط الاجتماعي، تتيح للسلطات التحكم في وجود النساء داخل الفضاء العام، وجعل أجسادهن ساحة لإظهار القوة، وتجريم أي شكل من أشكال العصيان المدني تحت ذريعة "عدم الالتزام بالحجاب"، هذا التركيز المفرط يهدف إلى صناعة "عدو" افتراضي، تُحمَّل إليه مسؤولية الأزمات، بما يسمح بإخفاء الفشل الاقتصادي، واتساع رقعة الفقر، واستفحال الفساد البنيوي، وتفاقم المشكلات الاجتماعية، فحين تمشي امرأة من دون حجاب في أحد الشوارع، تتعامل السلطات معها باعتبارها تهديداً يفوق في خطورته الفقر، والبطالة، والإدمان، أو حتى الطفل الذي يتسول حافي القدمين، ويعكس هذا الانقلاب في سلم الأولويات أن قضية الحجاب ليست شأناً أخلاقياً بقدر ما هي أداة سياسية لتوجيه الرأي العام وترسيخ سلطة النظام.

وتقول فرنكيس. ب، وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة أن "عبارات مثل (شرطة الأخلاق)، و(اسحبي وشاحك إلى الأمام)، و(الحجاب حصانة لا تقييد)، و(يرجى الدخول بالحجاب الإسلامي)، وآلاف الشعارات المشابهة، أصبحت مألوفة لكل امرأة عاشت في ظل الجمهورية الإسلامية، فمنذ سنوات طويلة لم يعد الحجاب مجرد لباس، بل تحول إلى وسيلة للقمع ونشر الخوف، كما أصبحت كلمة (الحجاب) نفسها مبرراً لممارسة مختلف أشكال الظلم والعنف".

ورغم أن السلطات أعلنت بعد انتفاضة جينا أميني، شكلياً، إلغاء شرطة الأخلاق، فإن ما حدث في الواقع كما تبين محدثتنا "لم يكن سوى تغيير في الشكل، أشبه بانسلاخ الأفعى عن جلدها" فهذه المنظومة "لم تختفِ"، بل "أعادت إنتاج نفسها بأسماء وأساليب جديدة".

واليوم، تتواصل الضغوط الرسمية على النساء وأجسادهن وملابسهن بوسائل أكثر خفاءً، تبدأ من المضايقات في الشوارع والغرامات المالية الباهظة، ولا تنتهي عند الحرمان من الخدمات العامة، وفرض القيود الاجتماعية، والتهديدات الأمنية.

والآن أيضاً كما تقول تُكتب في أنحاء مختلفة من المدينة رسائل تهديد جديدة، وكأن جميع مشكلات المجتمع سببها طريقة لباس النساء، ولا تكتفي السلطات بالعقوبات التي تفرضها بنفسها، بل تهدد النساء كذلك بعقوبات وعذابات غيبية وماورائية.

 

عندما تُحمَّل الضحية مسؤولية الجريمة

في المنظومة القانونية للجمهورية الإسلامية، لا يُنظر إلى الحجاب بوصفه واجباً دينياً فحسب، بل باعتباره أداة للسيطرة على أجساد النساء وسلوكهن، فمن خلال القوانين والعقوبات وآليات القمع، تحدد السلطات حدود ما تعتبره "السلوك المقبول" للمرأة وتفرضه بالقوة.

وتزداد خطورة هذا النهج عندما تمنح السلطة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، غطاءً للعنف ضد النساء، عبر إيصال رسالة مفادها أن أي خروج، ولو بسيط، عن معايير الحجاب التي تفرضها الدولة قد يعرّض المرأة للعقاب أو الاعتداء.

ويتجلى ذلك في قضايا التحرش والاعتداءات الجنسية، حيث تتحول الضحية في كثير من الأحيان إلى موضع اتهام، بينما يُعفى المعتدي من المساءلة، فبدلاً من محاسبة الجاني، يُطرح لباس المرأة أو سلوكها باعتباره مبرراً للعنف الذي تعرضت له، ويعكس ذلك انقلاباً أخلاقياً وقانونياً تصبح فيه الضحية مطالبة بإثبات براءتها، في حين يفلت المعتدي من المسؤولية.

ورغم أن النصوص الدينية والفقهية لا تنص صراحة على أن لباس المرأة يبرر الاعتداء عليها، فإن القوانين السائدة، والخطاب الرسمي، والثقافة التي تشكلت على مدى عقود تحت تأثير الدعاية الرسمية، أسهمت في ترسيخ هذا الاعتقاد لدى شريحة من المجتمع، ومفاده أن المرأة التي تتعرض للعنف الجنسي لا بد أنها "استفزت" المعتدي بملابسها أو تصرفاتها.

وتعود جذور هذا الاعتقاد إلى بنية أبوية ترسخت عبر سنوات طويلة، فعندما تنشر الدولة قوات أمن في الشوارع لاعتقال امرأة بسبب انزلاق حجابها أو ارتدائها ملابس لا تتوافق مع المعايير الرسمية، فإنها تبعث برسالة ضمنية مفادها أن المرأة غير الملتزمة بالحجاب تستحق العقاب والإذلال والإقصاء، ومع مرور الوقت، تتحول هذه الرسالة إلى قناعة اجتماعية تبرر العنف، وتجعله يبدو رد فعل مشروعاً لا جريمة تستوجب العقاب.

كما يعزز هذا الخطاب ربط "شرف" الرجل بملابس المرأة، خاصة عندما تروج السلطات لشعارات تعتبر عدم ارتداء الحجاب دليلاً على غياب "غيرة" الرجل، في الوقت الذي تُواجَه فيه جرائم قتل النساء على يد الآباء أو الإخوة أو الأزواج بعقوبات مخففة، وبهذا تُكرّس السلطة صورة الرجل بوصفه حارساً لـ "الشرف"، فيما تتحول المرأة إلى موضوع للرقابة والعقاب.

وخلال السنوات الأخيرة، تعرضت نساء كثيرات للاعتقال والسجن والعقوبات المختلفة بسبب ما وصفته السلطات بـ "سوء الحجاب"، ويُعد مقتل جينا أميني بعد احتجازها من قبل "شرطة الأخلاق" أحد أبرز الأمثلة على العنف المرتبط بتطبيق قوانين الحجاب.

كما تعرضت آلاف النساء، بحسب تقارير حقوقية، للمضايقات أو الاعتداء أو التهديد أو القتل على خلفية مظهرهن أو لباسهن، سواء على أيدي عناصر أمنية أو أفراد من عائلاتهن، وبين جميع هذه الحالات يبقى القاسم المشترك واحداً (النساء كنّ الضحايا، بينما بقيت السلطة، داخل مؤسسات الدولة أو الأسرة، صاحبة الكلمة الفصل في تقرير مصيرهن).

 

ازدواجية الحجاب... القمع في الشارع وإظهار التسامح في السياسة

ورغم أن الحجاب يُستخدم في الجمهورية الإسلامية أداةً للسيطرة والقمع والضبط الاجتماعي، فإنه يكتسب في بعض اللحظات السياسية وظيفة مختلفة تماماً، ففي الانتخابات، والمسيرات الرسمية، والمناسبات الحكومية، تحرص السلطات أحياناً على إظهار نساء غير محجبات أو غير ملتزمات بالزي الرسمي في المشاهد الإعلامية، في محاولة للإيحاء بأن قاعدتها الشعبية لا تقتصر على المؤيدين المحافظين، وأن حتى غير الملتزمين بالحجاب يدعمون النظام.

ومن خلال هذا الأسلوب، تسعى السلطة إلى توسيع صورتها أمام الرأي العام، وإيجاد تناقض في إدراك المتلقي، فمن جهة، تؤكد وسائل الإعلام والجهات الحقوقية أن الحجاب يُفرض بالقوة ويُستخدم أداة للقمع، ومن جهة أخرى، تعرض وسائل الإعلام الرسمية صور نساء غير محجبات في فعاليات رسمية، بما يثير الشكوك حول مدى إلزامية الحجاب في إيران.

ويهدف هذا التناقض إلى إرباك المتلقي ودفعه للتساؤل عما إذا كانت الانتقادات الموجهة إلى سياسات الحجاب مبالغاً فيها، أو ما إذا كانت النساء يخترن بالفعل طريقة لباسهن بحرية.

وبذلك، لم يعد الحجاب في الجمهورية الإسلامية مجرد التزام ديني أو قانوني ثابت، بل تحول إلى أداة سياسية مرنة؛ تُستخدم تارةً لفرض السيطرة والعقاب، وتارةً أخرى لإظهار الانفتاح وصناعة الشرعية، غير أن النتيجة تبقى واحدة وهي (استمرار توظيف الحجاب كوسيلة للهيمنة وإقصاء النساء اللواتي يعترضن على سياسات السلطة).