جيل الثورة... من استعادة الهوية إلى مرحلة الاندماج الديمقراطي

أثرت ثورة التاسع عشر من تموز على الفئة الشابة في مدينة كوباني بشكل إيجابي من حيث تعرفيهم على هويتهم وتاريخهم وثقافتهم ووجودهم.

نورشان عبدي

كوباني ـ بنت ثورة 19 تموز كيان خاص للفئة الشابة الذين ترعرعوا مع انطلاقة الثورة داخل المجتمع وغيرت في شخصية كل امرأة شابة، كما أحرزت تطورات كبيرة من ناحية الوعي والمعرفة، وبذلك أنشأت هذه الثورة جيل واعي فكرياً ويعرف بشكل جيد حقيقته وتاريخه وثقافته وهوتيه وذاته.

انطلقت ثورة 19 تموز/يوليو عام 2012 من مدينة كوباني في روج آفا بإخراج نظام البعث السابق في سوريا من المنطقة، وبناء نظام جديد للمجتمع بإدارة نفسه بنفسه، وبذلك ساهمت ثورة 19 تموز بتغيرات جذرية ضمن المجتمع في كافة المحافل السياسية والعسكرية والاجتماعية والدبلوماسية وفي حياة النساء والفئة الشابة.

التأثير المركزي للثورة على وعي الشبيبة يتمثل في أن الجيل الذي نشأ مع بداياتها لم يكتفِ بمتابعة أحداثها، بل كان جزءاً حيّاً من مسارها. فقد أتاحت لهم الثورة فرصة التعمق في فهم ذاتهم ومجتمعهم وثقافتهم، مما جعل أثرها راسخاً في رؤيتهم ودورهم داخل البنية الاجتماعية. ومن خلال هذا التحول، تمكنت الشبيبة من بناء جيل أكثر تقدماً من الناحية الفكرية، مرتبط بتاريخه وثقافته ولغته، وقادر على صياغة حضور جديد في مستقبل مجتمعه.

وفي هذا السياق، رصدت وكالتنا لقاءً مع شابة كانت من أوائل المشاركات في بدايات الثورة، واستمرت في نضالها حتى اليوم، لتقدم نموذجاً حيّاً عن التحول الذي صنعته الثورة في وعي النساء ودورهن داخل المجتمع.

 

"19 تموز عرفتنا على هويتنا وثقافتنا وتاريخنا"

قالت الرئيسة المشتركة لهيئة الشباب والرياضة في كوباني، أفاشين مستو، إن ثورة 19 تموز التي انطلقت من كوباني شكلت الأساس المتين لمسارٍ نضالي طويل، بفضل ما قدمه أبناء المدينة من مقاومة وكدح وإصرار.

وأشارت إلى أن نضال النساء كان ركناً محورياً في تطوير الثورة وتحقيق مكتسباتها، حتى باتت تُعرف في العالم باسم ثورة المرأة، مؤكدة أن المرأة الشابة ووحدات حماية المرأة أثبتن أن نجاح الثورة جاء بفضل تقدم النساء في الصفوف الأولى، انسجاماً مع رؤية القائد عبد الله أوجلان بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن حرية المرأة.

وأضافت أن الثورة أحدثت تحولاً عميقاً في وعي الشبيبة، إذ غيرت نظرتهم إلى المجتمع، وعرفتهم على حقيقتهم ككرد، وعلى هويتهم وثقافتهم ووجودهم، مما جعلهم أكثر ارتباطاً بذاتهم وأكثر قدرة على فهم دورهم في بناء مستقبلهم.

وأوضحت أن التغيرات الفكرية والذهنية التي أحدثتها الثورة لدى الفئة الشابة كانت جوهرية وعميقة، خاصة لدى المرأة الشابة التي عانت طويلاً من التهميش في ظل السلطة والأنظمة الرأسمالية. فقد كانت تُصوّر على أنها غير قادرة على الفعل أو التأثير داخل المجتمع، وأن الشباب عموماً عاجزون عن اتخاذ خطوات متقدمة أو الإسهام في بناء مجتمعهم.

وبينت أن انتقال الشبيبة من تلك المرحلة إلى فضاء الثورة شكل تحولاً تاريخياً، إذ وجدوا أنفسهم جزءاً من مشروع تغييري واسع، يعملون فيه ليخطوا خطوات نوعية نحو التقدم والنجاح، ويحققوا منجزات تحمل اسم الفئة الشابة، مؤكدة أنهم أثبتوا بالفعل قدرتهم على بدء الثورة وصناعة التحول.

وشددت على أن الثورة ليست حدثاً سياسياً فحسب، بل هي تغيير مجتمعي شامل يمس الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية للشعوب. وقد غيرت ثورة 19 تموز مسار المجتمع في مناطق روج آفا، وأثرت بعمق في حياة الناس والشبيبة، لتعيد تشكيل وعيهم وهويتهم ودورهم في المستقبل.

وأضافت أفاشين مستو أن الشبيبة رغم ما عاشته من آلام ومواجع خلال مسار الثورة، استطاعت أن تحول تلك التجارب القاسية إلى قوة دفعٍ نحو تحقيق إنجازات وانتصارات ملموسة، مؤكدة أنهم كانوا محظوظين لأنهم عاشوا داخل الثورة نفسها، وشاركوا في خطواتها الإيجابية، وشهدوا مقاومة شعبهم لحظة بلحظة، الأمر الذي مكنهم من التعرف بعمق على هويتهم وثقافتهم وحقيقتهم ووجودهم.

وأشارت إلى أن الثورة لعبت دوراً محورياً في تغيير الذهنية والفكر لدى المرأة الشابة، إذ منحتها القدرة على اختبار لحظات الحرية، بفضل تضحيات الذين شاركوا في انطلاقتها وساهموا في نجاحها، لافتةً إلى أن ذكر ثورة روج آفا يستحضر فوراً الكدح والمقاومة وثورة المرأة، إلى جانب الدور الريادي للمرأة الشابة ووحدات حماية المرأة في بناء مجتمع حرّ، ديمقراطي وواعٍ.

 

"مكتسبات ثورتنا ستكون أرضية لإنجاح مرحلة الاندماج الديمقراطي"

وعن الأبعاد الفكرية والاجتماعية لثورة 19 تموز في المرحلة الأخيرة التي يمر بها الشعب الكردي وهي مرحلة الاندماج الديمقراطي وسوريا الديمقراطية، تقول "نعيش اليوم مرحلة جديدة من عمر الثورة، مرحلة تنتقل فيها من طورٍ إلى آخر، حاملة معها تحولات واسعة ستترك أثراً عميقاً على المجتمع بأسره. فهذه المرحلة تمثل انتقالاً من نظام كان يقيد المجتمع والشبيبة والمرأة، إلى بداية ثورة ونضال وحرية تفتح المجال أمام بناء واقع ديمقراطي مختلف".

وتشير إلى أن الوصول إلى الاندماج الديمقراطي وتحقيق رؤية سوريا ديمقراطية يتطلب من الجميع، وخاصة الشبيبة، أن يجعلوا من مكتسبات ومنجزات ثورة 19 تموز نقطة تحول أساسية، تُبنى عليها خطوات المستقبل. فهذه الثورة، بما حملته من مقاومة وتضحيات وتغيير فكري وثقافي، تشكل الأساس الذي يمكن أن يقود المجتمع نحو الديمقراطية الحقيقية.

وأوضحت أن المرحلة الراهنة تتطلب من شعوب روج آفا، ولا سيما الشبيبة، حماية مكتسبات الثورة باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء سوريا جديدة، بعيدة عن النظام والسلطة والدولة السابقة. فكل ثورة، كما تقول، تُحدث تغييراً في ذهنية المجتمع وتدفعه نحو الوعي والفكر السليم والديمقراطي، وثورة روج آفا كانت في جوهرها ثورة فكرية وإيديولوجية لعبت دوراً ريادياً في تطوير المجتمع وإعادة تشكيل وعيه.

وشددت أفاشين مستو، على أن حماية الإرادة والمكتسبات والهوية والتاريخ هي الركيزة الأساسية لصون ثورة 19 تموز، الثورة التي أسست جيلاً واعياً من الناحية الفكرية والذهنية، وقادراً على حمل مسؤولية المرحلة المقبلة، مؤكدة أن هذا الوعي المتقدم سيجعل من الفئة الشابة جزءاً محورياً في بناء سوريا جديدة وديمقراطية، سوريا تتسع لكل مكوناتها بهوياتهم وثقافاتهم ولغاتهم.

وأشارت إلى أن سوريا اليوم بحاجة إلى تغييرات جذرية على المستويات القانونية والحقوقية والدستورية، وأن الانضمام إلى هذه المرحلة الجديدة يتطلب التمسك بمكتسبات الثورة التي شكّلت أساس التحوّل المجتمعي في روج آفا، مؤكدة أنّ الشبيبة ستكون في مقدمة هذا المسار الديمقراطي.

ثورة 19 تموز لم تغير المسار السياسي فقط ضمن المجتمع، بل ساهمت في بناء أفراد واعيين ضمن المجتمع تمكنوا من بناء شخصيات واعية فكرية منذ بداية الثورة وإلى يومنا هذا.