حضور نسائي يعيد تشكيل العمل المجتمعي في السويداء

تزايد حضور النساء في لجان الأحياء والمبادرات المحلية في السويداء خلال المرحلة الاستثنائية، مع تولي الفئة الشابة مهام الحماية، ما دفعهن لتحمل مسؤوليات أكبر والمشاركة في إدارة الخدمات وتعزيز التكافل المجتمعي.

روشيل جونيور

السويداء ـ شهدت مدينة السويداء السورية تحولات مجتمعية لافتة في أعقاب مجازر تموز/يوليو عام 2025، انعكست على مختلف جوانب الحياة العامة. وكان من أبرز هذه التحولات الحضور المتزايد للمرأة في الشأن المحلي، حيث سجلت المجالس المحلية ولجان الأحياء نسب مشاركة نسائية غير مسبوقة، تجاوزت في بعض المواقع نصف عدد الأعضاء. 

يعود هذا الحضور اللافت إلى تولي العديد من الشبان مهام حماية مدينة السويداء ومحيطها، ما دفع النساء إلى تحمل مسؤوليات أكبر داخل المجتمع المحلي، والمشاركة الفاعلة في إدارة الشؤون الخدمية والإنسانية والتنظيمية. وقد أسهم هذا الدور في تعزيز مفهوم الشراكة المجتمعية والتكافل بين أبناء المدينة، مؤكداً قدرة المرأة على المساهمة في قيادة المبادرات المحلية وصناعة القرار خلال المراحل الاستثنائية.

 

حضور نسائي غير مسبوق في لجان الأحياء

تؤكد المحامية ريم المحيثاوي وهي إحدى النساء المشاركات في لجان الأحياء بمدينة السويداء، أن الظروف الاستثنائية التي مرت بها المدينة فرضت حضوراً فاعلاً للمرأة في مختلف المجالات المجتمعية، مشيرة إلى أن هذا الدور لم يعد خياراً أو رفاهية، بل أصبح ضرورة فرضتها متطلبات المرحلة.

وتوضح أن لجان الأحياء شهدت خلال الفترة الأخيرة عمليات تجديد وإعادة هيكلة، ما أتاح مساحة أكبر لمشاركة النساء في مواقع العمل الميداني واتخاذ القرار، حيث ارتفعت نسبة تمثيل المرأة بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة التي كان حضورها فيها محدوداً.

بحسب ريم المحيثاوي، فإن المرأة كانت تعاني في مراحل سابقة من ضعف التمثيل في الشأن العام، سواء داخل الأحياء أو على مستوى المجتمع المحلي بشكل عام، إلا أن المرحلة الأخيرة أثبتت قدرتها على القيادة والتخطيط والتنفيذ وإطلاق المبادرات.

وتشير إلى أن النساء شاركن بشكل مباشر في إدارة شؤون الأحياء وتنظيم المبادرات الخدمية والإغاثية، في وقت كان فيه عدد كبير من الشبان يتولون مهام حماية المدينة ومحيطها.

 

تحديات البدايات وكسب ثقة المجتمع

تولت ريم المحيثاوي مهمة التنسيق الإداري لفريق خدمي محلي ضمن قطاعها، وتقول إن الفريق واجه في بداياته حالة من التوجس والتساؤلات حول طبيعة عمله وقدرته على تحقيق نتائج ملموسة، مضيفة أن أفراد الفريق كانوا تحت رقابة مجتمعية مستمرة، إلا أن النتائج التي تحققت على أرض الواقع ساعدت في تغيير النظرة السائدة للنساء، وتحولت تدريجياً إلى دعم وترحيب من قبل الأهالي الذين لمسوا أثر المبادرات بشكل مباشر.

بدأ الفريق عمله المنظم منذ منتصف شهر شباط/فبراير الماضي، بعد مرحلة من المبادرات الفردية المحدودة، حيث ركز على الوصول إلى كبار السن والأشخاص غير القادرين على الحركة أو الذين يفتقدون للمعيل.

وشملت الأنشطة إجراء زيارات منزلية ودراسة الحالات الإنسانية والصحية، وتأمين الاحتياجات الأساسية من أدوية ومستلزمات طبية وتمريضية، إلى جانب متابعة حالات الاستشفاء المنزلي. ويضم الفريق سبعة ممرضين متطوعين يقدمون الرعاية للحالات التي تحتاج إلى متابعة صحية داخل منازلها.

 

الدعم النفسي والاجتماعي جزء من الاستجابة

لم يقتصر العمل على الجانب الصحي، بل ضم الفريق مختصين في الإرشاد النفسي وعلم النفس وعلم الاجتماع، عملوا على جمع البيانات المتعلقة بالحالات الاجتماعية والنفسية وتقييم احتياجاتها.

وساعد هذا العمل في الوصول إلى أشخاص لا يملكون القدرة على التواصل أو طلب المساعدة، وخاصة كبار السن والفئات الأكثر هشاشة، ما أتاح تقديم الدعم المناسب لهم وربطهم بالجهات القادرة على المساندة.

توضح ريم المحيثاوي أن المبادرة التي بدأت بشكل بسيط حظيت لاحقاً بدعم واسع من سكان الحي، وكانت النساء صاحبات الدور الأبرز في هذا الدعم من خلال تأسيس صندوق مجتمعي تشارك فيه نساء الحي.

ويهدف الصندوق إلى تأمين الموارد اللازمة للمبادرات الخدمية والطبية، والمساهمة في تغطية جزء من احتياجات الحالات الإنسانية التي يتابعها الفريق، في ظل محدودية الإمكانات المتاحة.

 

مشروع لإنشاء نقطة طبية محلية

من بين المشاريع التي يعمل عليها الفريق حالياً إنشاء نقطة طبية داخل الحي تتيح للسكان الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية بسهولة أكبر.

كما يجري العمل على إعداد مبادرات متخصصة بالدعم النفسي للطلاب والنساء، وأيضاً للمزارعين وهي مشاريع ما تزال قيد الدراسة والتنظيم تمهيداً لإطلاقها خلال الفترة المقبلة.

وترى ريم المحيثاوي أن أحد أهم الإنجازات التي تحققت خلال الفترة الماضية تمثل في تعزيز التواصل والتشبيك بين لجان الأحياء والفرق المحلية والشخصيات الفاعلة داخل المجتمع.

فقد أتاحت الاجتماعات الموسعة تبادل الخبرات والتعريف بالمبادرات القائمة، كما كشفت عن جهود ومشاريع لم تكن معروفة بشكل كافي بين مختلف الأطراف، الأمر الذي ساعد على تنسيق العمل وتوجيهه نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.

 

التكافل المجتمعي ركيزة للعمل المحلي

أسهم التشبيك بين الجهات المختلفة في إيصال المعلومات المتعلقة بالخدمات المتاحة إلى السكان، ومن بينها الخدمات الطبية والعلاجية التي تقدمها بعض الجهات المحلية بأسعار مخفضة أو بشكل شبه مجاني.

كما ساعد على تفعيل مبادرات التكافل المجتمعي لدعم الأسر والأفراد غير القادرين على تحمل التكاليف، في نموذج يعكس روح التعاون والتضامن التي برزت داخل مدينة السويداء خلال المرحلة الماضية.

وتختتم ريم المحيثاوي حديثها بالتأكيد على أن مشاركة النساء في لجان الأحياء والمبادرات المحلية لم تكن استجابة ظرفية فحسب، بل تجربة أثبتت قدرة المرأة على تحمل المسؤولية والمساهمة الفاعلة في إدارة الشأن العام وخدمة المجتمع.