فصول دراسية في الظل... فتيات باميان يواجهن قيود طالبان بالتعليم

مع إغلاق أبواب المدارس والجامعات أمام الفتيات، أصبحت المراكز التعليمية في باميان بأفغانستان نافذتهن الأخيرة إلى المعرفة، رغم ما يرافقها من تهديدات وقيود تفرضها طالبان على المعلمين والطالبات على حد سواء.

بهاران لهيب

باميان ـ في ظل استمرار القيود التي تفرضها طالبان على تعليم الفتيات في أفغانستان، تحولت المراكز التعليمية الخاصة إلى ملاذ أخير لمواصلة التعلم بعد إغلاق المدارس والجامعات أمام النساء.

في باميان، حيث شهدت الجبال سنوات طويلة من الحروب والتغيرات السياسية، بات الصوت الهادئ لتقليب صفحات الكتب وتعلّم اللغات يحمل بالنسبة لكثير من الفتيات معنى يتجاوز مجرد التعلّم.

فقبل عودة طالبان إلى السلطة، كان الذهاب إلى المدرسة والمراكز التعليمية جزءاً من الحياة اليومية للفتيات، لكن بعد فرض القيود الواسعة على تعليم النساء، أصبحت هذه الفصول واحدة من آخر السبل المتاحة لمواصلة التعلّم والحفاظ على الأمل.

وبالنسبة للفتيات اللواتي أُغلقت أبواب المدارس والجامعات في وجوههن، فإن كل ساعة يقضينها في أحد المراكز التعليمية تمثل فرصة لبناء مستقبل سُلب منهن. ومع ذلك، فإن مواصلة هذا الطريق ليست سهلة. ويقول مسؤولو المراكز التعليمية في باميان إنهم تعرضوا مراراً لضغوط وتهديدات من عناصر جهاز الأمر بالمعروف التابع لطالبان بسبب تعليم الفتيات، كما أُغلقت بعض الفصول وتوقفت أنشطتها في بعض الأحيان.

ويقول أحد مسؤولي مركز لتعليم اللغة الإنجليزية في باميان إن هذا المركز أُسس قبل أكثر من 18 عاماً بهدف توفير فرص التعلّم للشباب. ويروي أنه لم يكن قادراً في السابق، بسبب الظروف المالية، على دفع رسوم تعلّم اللغة الإنجليزية، ولذلك بدأ بتعلّمها بنفسه. وكانت تلك التجربة هي الدافع الذي جعله يقرر أن يوفّر فرص التعليم للآخرين يوماً ما، وهو القرار الذي أثمر اليوم عن إنشاء ثلاثة مراكز تعليمية في باميان.

لكن خلف هذا النشاط التعليمي تكمن حالة دائمة من القلق. فعند محاولة إجراء مقابلة مع إحدى المعلمات في هذا المركز، سادت أجواء من الحذر والخوف. وبعد أسئلة عديدة حول هدف المقابلة، وافقت إحدى المعلمات أخيراً على الحديث، إلا أن مدير المركز رفض إجراء مقابلة مصورة معها، ولم يسمح حتى بالتقاط صورة لها مع إخفاء ملامح وجهها.

وأوضح مدير المركز سبب هذا القلق بقوله "أتعرض كل يوم، وفي كل لحظة، للتهديد من عناصر الأمر بالمعروف، وقد اعتُقلت حتى الآن مرتين من دون أي سبب". ثم قال "كل ذنبي أنني كنت أُدرّس الفتيات".

أما آرزو محمدي، وهي إحدى المعلمات في هذا المركز، فقد كانت في السابق طالبة في الفصول نفسها. وتقول إن شغفها بالتعليم دفعها، بعد إتقان اللغة الإنجليزية، إلى اختيار مهنة التدريس. وترى أن التعليم بالنسبة لفتيات باميان لا يقتصر على اكتساب المهارات، بل يمثل وسيلة للاعتماد على النفس وبناء الاستقلال الشخصي.

وأشارت إلى أن كثيراً من سكان هذه المنطقة لم يتمكنوا بسبب سنوات الحرب والصعوبات الاقتصادية، من إكمال تعليمهم، وأن هذه المراكز تسعى إلى توفير فرصة جديدة للتعلّم. كما تؤكد أن هذه المراكز، إلى جانب دورها التعليمي، تُعد أيضاً مصدراً للدخل للمدرسين والعاملين فيها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

وترى أن فتيات باميان كلما أُغلق أمامهن طريق، وجدن طريقاً آخر. وفي المراكز التعليمية الثلاثة التابعة لهذه المؤسسة، تواصل مئات الفتيات التعلّم، وهو ما يدل بحسب قولها على أن القيود لم تنجح في القضاء على حافزهن.

وتقول "لا نتلقى أي تشجيع من حكومة طالبان، ولا من كثير من فئات المجتمع، لكن الفتيات ما زلن يتمتعن بالحافز. إنهن يردن أن يتعلمن، ويعملن، ويصبحن مستقلات".

ومع ذلك، فقد أثرت قيود طالبان حتى على أسلوب التدريس. وتوضح أن النساء لا يُسمح لهن بتدريس الطلاب الذكور، ولذلك فإن معظم فصولهن مخصصة للفتيات فقط. وهي التي لا تزال في بداية مسيرتها المهنية في التدريس، تأمل أن تكتسب مزيداً من الخبرة لتتمكن مستقبلاً من تدريس المراحل المتقدمة.

وتعتبر قصتها الشخصية مثالاً على التحولات القسرية التي فرضتها الظروف. فقد كانت طالبة في قسم علم النفس بجامعة كابول، لكنها لم تتمكن من مواصلة دراستها بعد عودة طالبان إلى الحكم. وبعد فترة من البطالة، قررت تعلّم اللغة الإنجليزية، وهو القرار الذي حوّلها لاحقاً من طالبة إلى معلمة.

وتقول آرزو محمدي إن رسالتها إلى نساء أفغانستان هي ألا يستسلمن أمام الصعوبات، وألا يضعن الفرص الصغيرة. وتؤمن بأنه، رغم أن القيود أغلقت الكثير من الطرق، فإن هناك ما يزال سبلاً للتعلّم، والنمو، وبناء المستقبل.