فلسطينية سلبتها الحرب عائلتها وحركتها وحرمتها من رعاية طفلتها
تواجه نائلة مريش شللاً نصفياً أفقدها قدرتها على الحركة، بعدما فقدت والدتها وشقيقيها في الاستهداف ذاته، وتنتظر اليوم فرصة للعلاج خارج غزة.
نغم كراجة
فلسطين ـ في خيمة صغيرة نُصبت في أحد شوارع غرب مدينة غزة، تجلس نائلة مريش، البالغة من العمر 23 عاماً، عاجزة عن الحركة، تحدّق في جسد لم يعد يطاوعها كما كان من قبل، وتحاول أن تستوعب حياةً انقلبت في لحظة واحدة.
تعرضت نائلة مريش خمس مرات للاستهداف خلال الحرب على قطاع غزة، وفي كل مرة كانت تنجو بجراح أو خوف أو خسارة، إلى أن جاء الاستهداف الأخير ليترك أثراً لا يشبه ما سبقه؛ فقد أصيبت إصابة بالغة أدت إلى شلل نصفي أفقدها القدرة على الحركة، كما قتلت والدتها وشقيقها وشقيقتها في المكان ذاته.
تقول نائلة مريش "لا أستطيع حتى الآن أن أصدق أنني فقدت أمي وإخوتي في اللحظة نفسها التي فقدت فيها قدرتي على الحركة، أشعر وكأنني أعيش داخل كابوس، وكلما نظرت إلى جسدي أتساءل: هل يعقل أن يحدث هذا لي؟".
لم يكن الألم وحده ما واجهته بعد الإصابة بل جاءت الصدمة النفسية لتضاعف وطأة ما حدث، تتذكر اللحظة التي أُبلغت فيها بقتل والدتها، بعدما كانت لا تزال تحت تأثير إصابتها، فتقول "عندما أخبروني أن أمي قتلت، شعرت وكأن شيئاً انكسر داخلي. لم أكن أستوعب ما يحدث حولي، ثم بدأت أبحث عن إخوتي، قبل أن أعرف أنهم رحلوا أيضاً".
كان مشهد الوصول إلى مستشفى الشفاء واحداً من أكثر الصور قسوة التي علقت في ذاكرتها. نُقلت نائلة مريش مع أفراد عائلتها المصابين إلى المستشفى، بعدما كانوا ملقين على الأرض وسط عشرات الجرحى، في ظل اكتظاظ شديد ونقص حاد في المستلزمات الطبية الأساسية.
وتروي "كنت أرى المصابين من حولي، والجميع يبحث عن طبيب أو دواء أو مكان يستلقي فيه. لم يكن هناك ما يكفي لاستقبال هذا العدد الهائل من الجرحى. كنت أتألم وأنتظر، ولا أعرف ماذا سيحدث لي أو لعائلتي".
منذ ذلك اليوم، لم تعد قادرة على ممارسة حياتها بصورة طبيعية، الإصابة التي تركت آثارها على جسدها جعلتها تعتمد على الآخرين في أبسط احتياجاتها اليومية؛ فلا تستطيع التحرك بمفردها، ولا القيام بالمهام التي كانت تؤديها دون تفكير، ولا حتى رعاية طفلتها الوحيدة شام البالغة من العمر خمسة أعوام.
"الحرب أبعدتني عن طفلتي"
تقول بحسرة "أكثر ما يؤلمني أنني أصبحت عاجزة عن الاهتمام بابنتي. كانت شام تعتمد عليّ في كل شيء، أما اليوم فأنا أحتاج إلى من يساعدني، أراها أمامي وأتمنى أن أستطيع احتضانها أو إعداد طعامها أو مرافقتها كما تفعل أمهات الأطفال".
بالنسبة إلى شام، لم يعد غياب الأم عن تفاصيل طفولتها خياراً مؤقتاً، بل واقعاً فرضته الإصابة والحصار الطبي. تراقب الصغيرة والدتها وهي تكافح لأجل الحركة، فيما تحاول نائلة مريش أن تخفي عنها مقدار الألم الذي يثقل جسدها ونفسها.
وتضيف "طفلتي لا تفهم لماذا لا أستطيع النهوض، ولماذا أحتاج إلى أن يساعدني الآخرون. أريدها أن تعيش طفولتها إلى جواري، وأن تجد أمها قادرة على اللعب معها والعناية بها، لا أن تراني عاجزة أمامها".
ولا تقتصر معاناتها على فقدان الحركة؛ إذ تحتاج حالتها إلى استكمال التقييم الطبي وإجراء فحوص متخصصة، من بينها تصوير بالرنين المغناطيسي غير المتوفر، وفق قولها، في مستشفيات وعيادات قطاع غزة، الأمر الذي يجعل السفر إلى الخارج ضرورة ملحّة لمعرفة طبيعة إصابتها وتحديد مسار العلاج والتأهيل المناسب لها.
كما تواجه نقصاً في الأدوية التي تحتاج إليها، ما يفاقم وضعها الصحي ويعرّضها لنوبات من التشنج المؤلم التي تمتد إلى جسدها، وتزيد من صعوبة يومها، تقول "أشعر أن جسدي كله يتشنج، ولا أجد الدواء الذي أحتاج إليه. أحياناً لا أحتمل الألم، وأتمنى فقط أن أجد فرصة للعلاج خارج غزة، وأعرف إن كان بإمكاني أن أقف على قدمي من جديد".
أمل معلّق على العلاج خارج غزة
وبينما تنتظر نائلة مريش فرصة للسفر، تتعطل التحويلة الطبية اللازمة لاستكمال علاجها خارج القطاع، فتجد نفسها عالقة في مكان أنهكته الحرب، بين احتياج طبي يتزايد ووسائل علاج محدودة، وبين جسد يحتاج إلى رعاية متخصصة لا تستطيع الحصول عليها.
لكن أصعب ما تحمله نائلة مريش ليس الألم الجسدي وحده؛ إنها تحاول في الوقت ذاته التعامل مع فقدان أمها وشقيقيها، ومع صورة حياتها الجديدة التي لم تخترها "أفتقد أمي في كل لحظة، كنت أحتاج إليها بعد إصابتي، لكنني فقدتها هي أيضاً، أحياناً أشعر أنني خسرت كل شيء دفعة واحدة؛ عائلتي، صحتي، وقدرتي على الاهتمام بطفلتي".
تتوقف للحظات قبل أن تتابع "لا أريد أن أعيش بقية عمري على هذا الحال، أريد فرصة للعلاج والتأهيل، أريد أن أعرف ماذا حدث لظهري وجسدي، وأريد الوقوف مرة أخرى، لا أطلب سوى أن يُسمح لي بالسفر".
تعيش نائلة مريش اليوم في خيمة، في ظروف لا توفر لها الحد الأدنى من الخصوصية أو متطلبات الرعاية التي تحتاج إليها امرأة فقدت قدرتها على الحركة، وبين جدران القماش، تتنقل معاناتها بين ألم جسدي لا يهدأ وذاكرة دامية لا تستطيع التخلص منها.
وفي كل مرة تنظر فيها إلى شام، تتجدد رغبتها في النجاة، وتقول "شام لا ذنب لها في كل ما حدث، أريدها أن تكبر وهي تعرف أن أمها حاولت من أجلها، وأعود إليها كما كنت، وأن أعيش معها أياماً عادية، حتى لو كانت أبسط الأشياء بالنسبة للآخرين".
لم تعد نائلة مريش تطلب استعادة حياتها القديمة كاملة؛ يكفيها أن تحصل على فرصة للعلاج، وأن يُسمح لها بإجراء الفحوص التي تحتاج إليها، وأن تجد الدواء الذي يخفف تشنجات جسدها، وأن تصل إلى مركز طبي قادر على تقييم إصابتها وتأهيلها.
وبينما تنتظر، تبقى شام إلى جوارها، تراقب والدتها التي كانت يوماً قادرة على حملها والاعتناء بها، قبل أن تتحول الحرب إلى حاجز يفصل بينهما وبين أبسط تفاصيل الحياة، أما نائلة مريش فتتمسك بأمل صغير، أن تفتح لها أبواب العلاج، وأن تجد طريقاً يعيد إليها شيئاً من قدرتها على الحركة، لتستعيد دورها كأم، وتمنح طفلتها ما حُرمت منه طويلاً؛ طفولةً عادية إلى جانب والدتها.