بين النجاة والفقد... فلسطينية تواجه حرباً لم تنتهِ
تروي الفلسطينية نور أبو ريالة حكاية نجاة مثقلة بالفقد، بعدما خسرت زوجها وخمسة من أطفالها في الحرب، وتكافح اليوم مع طفليها الناجيين لتأمين العلاج ومواجهة أعباء الحياة بإصابات لا تزال تلاحقهم.
نغم كراجة
فلسطين ـ تجلس جود أبو ريالة في خيمة النزوح إلى جوار والدتها نور، بينما تحمل آثار الحروق والندوب على وجهها، وتستعد لمواجهة يوم آخر من التنمر وصعوبة الحركة وجلب المياه، قبل أن تتمكن من استيعاب فقدان خمس من شقيقاتها وإخوتها ووالدها، وجدت نفسها مصابة، تعيش مع أمها التي أصيبت بدورها، وشقيقها الأصغر، في ظل غياب العلاج اللازم.
تتوقف جود أبو ريالة (10 أعوام) ابنة نور أبو ريالة عند اللحظة التي غيرت حياتها، وتستعيد بصوت مثقل بالخوف ما حدث حين سقط صاروخ إسرائيلي على المنزل "كنا نجلس أنا وإخوتي، وفجأة سقط علينا صاروخ، وجدت نفسي عالقة تحت الحجارة، ولم أكن أعرف شيئاً عن إخوتي، سمعت صوت شخص يمشي، فبدأت أصرخ حتى رفع عني الحجارة ونقلني إلى المستشفى".
هناك، عرفت أن خمسة من إخوتها قتلوا في هذه الغارة، وأنها لم تعد تملك سوى والدتها وشقيقها الصغير. أما والدها، فقد قُتل قبل نحو عام من تلك المجزرة، بعدما أصابه قناص إسرائيلي أثناء نزول الأسرة من منزلها خلال توغل القوات الإسرائيلية في حي "الشيخ رضوان".
فقدان متكرر
تستعيد نور أبو ريالة حياتها قبل الحرب في غزة، حين كانت تعيش مع زوجها وأطفالها في منزلهم، قبل أن تدفعهم الهجمات الإسرائيلية إلى النزوح من مكان إلى آخر، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2023، كانت الأسرة تقيم في منزل بحي "الشيخ رضوان"، حين تقدمت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة، ووصلت إلى محيط المنزل ليلاً، بالتزامن مع تحليق طائرات "كواد كابتر"، وانتشار القناصة.
وتقول "كنا في الطابق الرابع، وحاولنا النزول إلى الطابق الأول بأعجوبة، نجح الجميع في النزول، لكن القناص أطلق النار على زوجي أثناء نزوله، فتوفى على الفور في 22 كانون الأول 2023".
لم يكن الخوف يفارق الأطفال، ما دفعها إلى التنقل أحياناً بين مكان إقامتها ومنزل أهلها بحثاً عن شعور بالأمان، وتضيف "لم يكن أطفالي يشعرون بالأمان، وكانوا يحتاجون إلى من يحتويهم، كنت أضطر إلى الذهاب بهم إلى منزل أهلي بسبب الخوف، حتى استقررت أخيراً في منزلي"، لكن الاستقرار الذي بحثت عنه لم يدم طويلاً.
صاروخ تحت الركام
في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، تعرض المنزل الذي كانت تقيم فيه الأسرة لقصف مباشر، كانت نور أبو ريالة وأطفالها داخله، وأصيب أفراد من الأسرة، بينهم نور وابنتها جود وطفلها محمد (٥ أعوام)، فيما قُتل خمسة من أطفالها.
وتقول "فقدت الوعي نحو أربع ساعات، عندما استيقظت، شعرت كأنني في حلم، وبدأت أسأل: ماذا حدث؟ أين أطفالي؟ كانوا يقولون لي إنهم بخير، لكنني كنت أكرر أنهم استشهدوا، كنت متأكدة من ذلك، حتى إنني أصريت على معرفة الحقيقة".
أصيبت جود بحروق في وجهها تركت ندوباً واضحة، بينما تعرضت أمها نور لكسور في الرأس والساق وحروق في جسدها، وتحتاج إلى عملية جراحية لا تستطيع الحصول عليها في ظل نقص الخدمات الطبية.
وتوضح نور أبو ريالة أن إصابتها تحد من قدرتها على الحركة، إذ تعتمد على عكاز للمشي، فيما لا تزال ابنتها بحاجة إلى علاج لآثار الحروق والندوب، أما طفلها محمد، فيحتاج أيضاً إلى متابعة علاجية.
لم تقتصر خسائر الأسرة على الأرواح والإصابات؛ فالقصف تركهم بحاجة إلى أبسط مستلزمات الحياة. ومع إصابة الأطفال، احتاجت الأسرة إلى الغذاء والملابس والأدوية والكريمات والمراهم والإبر اللازمة لعلاج الحروق.
وتضيف أن احتياجات العلاج المستمرة وصعوبة الحياة في الخيمة ما زالت تفوق قدرتها على الاحتمال. وتروي "لا يوجد من يحمل عني أعباء الحياة، لا أستطيع حتى تعبئة المياه أو حملها بسبب إصابتي، وابنتي لا تستطيع حملها وحدها، وشقيقها ما زال صغيراً".
جروح لا تخفيها الخيمة
تضع الطفلة جود أبو ريالة يديها أمام وجهها وهي تتحدث عن شقيقاتها وإخوتها الذين فقدتهم، ثم تختصر أمنيتها بكلمات قليلة "أتمنى أن يعود إخوتي، وأن يعود أبي". وتنهار بالبكاء عند نهاية المقابلة، فيما تبقى أمنيتها معلقة بين فقدان لا يمكن تعويضه وعلاج تحتاج إليه لتخفيف آثار إصابتها.
أما نور أبو ريالة، فتناشد الجهات الإنسانية والطبية والجهات القادرة على المساعدة توفير فرصة لها ولطفليها الناجين لتلقي العلاج، في ظل حاجتها إلى عملية جراحية، واستمرار حاجة جود ومحمد إلى الرعاية الطبية.