بين الحرب والقمع والأزمة الاقتصادية... الانتحار مرآة لأزمة المجتمع الإيراني
أدى تصاعد الضغوط الاقتصادية، وانعدام الأمان السياسي، والحرب والقمع، إلى دفع المجتمع الإيراني نحو أزمات نفسية واجتماعية متزايدة؛ وهي ظروف يمكن، بحسب المتخصصين، أن تؤدي إلى تفاقم اليأس والإرهاق النفسي، وبالتالي استمرار ارتفاع خطر الانتحار.
زيلان أطمائي
أورمية ـ الموت الجسدي يسبقه، في كثير من الأحيان، حالة من الموت داخل بنى المجتمع والثقافة والأخلاق وغيرها، فالانتحار ظاهرة متعددة العوامل، إلا أنه في إيران تتأثر اليوم بشكل أكبر بالأوضاع السياسية والاقتصادية.
أدت الاحتجاجات المستمرة، ولا سيما عمليات القتل التي وقعت في كانون الثاني/يناير 2026، إلى جانب الحرب وتصاعد الضغوط الاقتصادية، إلى نشوء صدمات نفسية ومشاعر جماعية معقدة داخل المجتمع.
أرقام متفرقة ومشكلة السرية
يكاد يكون العثور على إحصاءات حقيقية ودقيقة في إيران أمراً مستحيلاً، فقد أدت سرية الإحصاءات خلال العقد الأخير إلى عدم ظهور حقيقة العديد من الأزمات، ومنها الانتحار، بصورة واضحة، وبناءً على المعطيات المتوفرة، فإن الأرقام الرسمية المعلنة بعيدة عن الواقع.
ومع ذلك، فإن مراجعة الأرقام المعلنة من جانب المؤسسات المختلفة تظهر أن حالات الانتحار في إيران ارتفعت خلال العقد الماضي بنسبة 70 في المئة.
وتصف آيلار. م، وهي أخصائية اجتماعية، الانتحار بأنه أزمة آخذة في التفاقم، وتقول "تظهر حالات الانتحار بين جميع الفئات العمرية حتى الأطفال إلا أن النساء أكثر شيوعاً".
ومن خلال الحديث مع عدد من المصادر المحلية الموجودة في مستشفيات وعيادات محافظة أورمية، أوضحت المصادر بأنه يتم تسجيل أكثر من 15 محاولة انتحار يومياً في المتوسط، فيما سجلت نحو 10 حالات وفاة نتيجة الانتحار خلال الأسبوعين الأخيرين فقط، وتعكس هذه الأرقام مؤشراً خطيرة على حدوث أزمة.

الاحتجاجات والصدمات الجماعية في صميم المجتمع
يمكن أن تكون حالات الانتحار بسبب صدمات اجتماعية، ويمكن اعتبار احتجاجات عام 2026، وانقطاع الإنترنت، وعدم الاستقرار في مختلف جوانب الحياة في إيران، أمثلة على أحداث تؤدي إلى الصدمة.
وتوضح نارين. ك، أخصائية علم النفس الاجتماعي، أن الصدمة النفسية في إيران تتسم بالتعقيد والاستمرارية، في ظل تعرض الاحتياجات الأساسية للسكان، وفي مقدمتها الأمن والغذاء، لضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة. وترى أن الاحتجاج على النظام قد يعرّض الأفراد لخطر فقدان هذه الاحتياجات، بل قد يهدد حياتهم، ما يجعل الإحساس بالخوف والخطر حالة مستمرة وواسعة الانتشار. وتشير إلى أن كثيرين لم يعودوا يرون في المؤسسات أو الجهات الرسمية مصدراً للدعم، بل يشعرون بأنهم يواجهون الأزمات بمفردهم، وأن السلطات تقف في مواجهتهم عندما يحاولون التعبير عن معاناتهم.
وتعتبر أن تداعيات عمليات القتل الدامية التي شهدها العام الحالي تمثل إحدى أبرز القضايا التي تركت آثاراً عميقة في المجتمع ككل. فحتى الأشخاص الذين لم يشاركوا بشكل مباشر في الاحتجاجات يمكن أن يتأثروا نفسياً بهذه الأحداث، لأن العقل البشري لا يضع دائماً حدوداً واضحة بين ما يحدث للفرد شخصياً وما يحدث لأشخاص يشعر أنهم يشبهونه أو ينتمون إلى مجتمعه. ومن ثم، فإن مشاعر اليأس والعجز التي قد تعقب عمليات قتل واسعة النطاق يمكن أن تكون شديدة التدمير، وقد يصل أثرها في بعض الحالات إلى زيادة خطر الانتحار.
الحرب وعدم الاستقرار الاقتصادي
وتقول كيميا. د، وهي امرأة يمكن أن تعكس كلماتها جزءاً من المشاعر التي يعيشها كثير من أفراد المجتمع، حول ذلك "الحرب تثير الكثير من القلق، لكن بعد الاحتجاجات لم أكن قادرة على تحديد مشاعري بدقة، كنت سعيدة لأنني رأيت النظام الدكتاتوري في حالة ضعف، لكن غياب الدعم، والحرب، وحتى المخاطر التي تهدد حياتنا، ضاعفت قلقي مرات عدة".
وبينت أنه "كان الأمل الوحيد بالتغيير هو ما جعلنا نصمد أما الآن، ومع استمرار الوضع القائم وتصاعد الغموض، لم يعد الأمل أمراً سهلاً، ولا سيما أن الأزمات الاقتصادية أصبحت أسوأ بكثير من أي وقت مضى".
وفي نهاية المطاف، تتكرر في الروايات الفردية وأحاديث المتخصصين صورة مجتمع يواجه أزمات متزامنة ومستنزفة؛ من انعدام الأمن السياسي والاقتصادي والحرب، إلى القمع وعدم الاستقرار وتلاشي الرؤية الواضحة للمستقبل.
ولا يمكن إرجاع الانتحار إلى عامل واحد، لكن استمرار هذه الضغوط يمكن أن تؤدي، من خلال زيادة اليأس والإرهاق النفسي وإضعاف شبكات الدعم الاجتماعي، إلى ارتفاع خطر الانتحار.
وفي مثل هذه الظروف، فإن بقاء الإحصاءات مخفية وتقييد إمكانية الحوار حول هذه الظاهرة يشكلان بدورهما جزءاً من القمع واستمرار الأزمة؛ وهي أزمة لا يمكن حلها بالعلاج الفردي وحده، بل تحتاج إلى تغيير في مختلف أبعاد المجتمع.