عاملات النظافة في القصرين... ساعات عمل شاقة دون حماية أو صون كرامة

تعاني عاملات النظافة في محافظة القصرين التهميش وظروف العمل القاسية، حيث تواجهن شقاءً يومياً دون حماية أو حقوق بأجور زهيدة لا تكفي لسد احتياجاتهن.

إخلاص الحمروني

تونس ـ في ساعات الصباح الباكر تبدأ رحلتها اليومية تمسح آثار يوم مضى، وتواجه إرهاقاً لا ينتهي، بدون زي رسمي، وأي وسائل حماية، تعمل لساعات طويلة وسط الغبار والتلوث، بينما تفتقد أبسط الحقوق التي تضمن لها حياة كريمة.

وسط شوارع مدينة القصرين، حيث تمتزج قسوة العمل بشظف العيش، تقف جمعة نصري عاملة النظافة، شاهدة على واقع مرير تعيشه هي وزميلاتها، تقول عن رحلتها اليومية "نعمل من الساعة 7 صباحاً حتى منتصف النهار، ومهمتنا هي تنظيف الشارع الرئيسي في المدينة، نعمل في ظروف سيئة، حيث نتعرض للغبار والتلوث أثناء جمع القمامة، ورغم هذا الجهد، لم يتم منحنا زياً رسمياً للعمل"، مشيرةً إلى أنه في السنوات الماضية تم توفير هذا اللباس.

بدأت جمعة نصري العمل في النظافة بمدينة القصرين وشوارعها عام 2014، ومنذ ذلك الوقت تعمل في نفس الوظيفة دون أي ترقية "الأجر ضعيف جداً ونحن نبذل جهداً كبيراً، لكن لا نتمكن من توفير ما يكفي من المال لسد الديون بسبب ظروف العمل".

وأكدت إن ظروف عملها صعبة بسبب سوء المعاملة من بعض التجار الذين يصرخون في وجهها قائلين "لا ترمي الغبار علينا، اذهبي واجمعي القمامة بعيداً عن محلاتنا"، وعندما قدمت شكوى للمسؤول عن هذه التصرفات، قال لها "اذهبي إلى الحاكم"، مما يعني أنه لا يوجد من يدافع عن حقوقها.

وأوضحت جمعة نصري أنها هي وزميلتها مطالبات بتنظيف الشارع الرئيسي للمدينة دون التمتع بأي حماية أثناء العمل، مما يعرضهما للمضايقات المستمرة "عملنا غير ثابت في هذا الشارع، فكلما احتاجتنا إدارة البلدية، تقوم بإرسالنا في حملات تنظيف إلى المسجد أو إلى البلدية أو أي منطقة أخرى، وليس لدينا الحق في الاعتراض، كل ما نفعله هو العمل لساعات طويلة ثم العودة إلى بيوتنا في نهاية اليوم ونحن منهكات من التعب".

وبسبب صعوبة العمل أُصيبت جمعة نصري بمرض جراء استنشاق الكثير من الغبار، فأحضرت ملفاً طبياً من المستشفى الجامعي المنستير يوضح أنها تعاني من ألم في الحلق، وأرفقتها شهادة من طبيب أخر مختص في الأذن تفيد بأنها لا تستطيع العمل في مكان مليء بالغبار ومع أنها قدمت منذ أشهر هذه الأوراق إلى الإدارة (مكتب الضبط) حتى يتم النظر فيها من قبل المسؤول لاتخاذ القرار بشأنها إلا أنه منذ ذلك الحين، لم تتلقى أي رد "أعتقد أن ملفي ضاع في الإدارة".

 

 

نظرة دونية وسوء المعاملة

 من جهتها، أكدت حليمة النوري أن عدداً قليلاً من النساء يتولين الكثير من المهام وينظفن معظم شوارع مدينة القصرين وحدهن "نحن في الإجمال ست نساء نعمل في المدينة كلها، والشوارع الكبيرة، المسؤول يوجهنا يومياً من مكان إلى آخر، وعلينا تنظيف كافة شوارع المدينة، حتى في الليل أيضاً" مشيرة إلى أنهن لا يتمتعن بكامل حقوقهن ولا سيما الترقية في السلم الوظيفي.

وعن ظروفها الشخصية قالت "أخذت قرضاً من البنك وراتبي لا يكفي لتغطية احتياجاتي، لدي زوج وأطفال، وابنتي الكبرى تدرس في مرحلة البكالوريا، ولا أستطيع أن أؤمن لها ثمن الساعات الإضافية".

ولا يختلف وضعها عن جمعة النصري فتوضح أنهن لا يتمتعن بالحصول على معدات العمل اللازمة مثل القفازات أو الكمامات الأمر الذي يجبرهن على جلب معدات التنظيف من بيوتهن "نحن مطالبات بالعمل ورؤوسنا منخفضة دون التمرد أو المطالبة بحقوقنا ونتحمل كل هذه الظروف الصعبة من أجل الحصول على مبلغ لا يكفي لإعالة أسرة في هذا الوقت الذي يشهد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار"، وبالنسبة للعطلة السنوية، بينت أنهن يتمتعن بشهر واحد في السنة، ولكنهن يقمن بتقسيمه على مدار العام حسب ما تقتضيه حاجتهن.

تحدثت عن المضايقات التي يتعرضن لها أثناء العمل والمعاملات السيئة من بعض السكان الذين ينظرون إليهن بنظرة استنقاص ويشتمونهن بكلمات جارحة، مشيرة إلى وجود بعض الأشخاص الطيبين يقدمون لهن الطعام أو يساعدونهن في دفع العربة إذا كانت ثقيلة.

تقول حليمة النوري "رغم هذه الظروف الصعبة والسيئة، نعمل فقط من أجل تأمين قوت أطفالنا وأنا مضطرة للتضحية من أجلهم، لأنه لا يوجد لدي خيارات أخرى"، مضيفة أن عاملات النظافة لا يفقهن أمراً في شؤون الدولة أو السياسات، فقط تجدن تنظيف الشوارع، وفي حال ارتكبت إحداهن خطأ، فإن المسؤول يكتب تقريراً عنها ويرسله إلى الإدارة، مما يتسبب في حرمانها من أجر عمل اليوم.

 

 

الأمر كذلك بالنسبة لـ فاطمة بوعلاق التي بينت أنها تعمل مع زميلاتها على تنظيف كافة شوارع مدينة القصرين والمشاركة في الحملات التي تنظمها البلدية سواء في السوق أو الإدارات الكبرى مشيرةً إلى أن أصعب الأعمال التي يقمن بها هي تنظيف الشوارع.

وأكدت أن مهمة تنظيف الشوارع والأماكن صعبة، لكنها مع ذلك تشجع جميع النساء على العمل حتى تتمكن من توفير استقلالهن الذاتي والمادي مشيرةً الى أن الرجال لا يرضون بالعمل في الشارع وتنظيفه لأنانيتهم وغطرستهم "إذا لم تنظف العاملات الشوارع والأسواق والأماكن العمومية، فإن مدينة القصرين ستبقى متسخة".