التحرش الجنسي في وسائل النقل كابوس يؤرق التونسيات

تعتبر النساء أن التحرش الجنسي من بين المواضيع المسكوت عنها في المجتمع عموماً والإعلام خصوصاً نظراً لرفض النساء المتعرضات للتحرش الإدلاء بشهاداتهن وأسمائهن في مجتمع ذكوري يلوم المرأة قبل مرتكب الانتهاك.

إخلاص الحمروني

تونس ـ تتعرض النساء من مختلف الأعمار في تونس إلى التحرش الجنسي في وسائل النقل العمومي بشكل يومي، ولا شك أن هذه الصورة تتّضح أكثر من خلال شهادات بعض النساء اللواتي تصعدن يومياً إلى وسائل النقل العمومي للتنقل إلى أماكن عملهن.  

تعد تونس من أوائل الدول العربية التي جرمت التحرش الجنسي، ولا تزال هذه الظاهرة تتفاقم يوماً بعد يوم، وتعود الأسباب الرئيسية إلى خوف النساء من نظرة المجتمع تجاههن، فالمجتمع الذكوري يقلل من دور المرأة ويحرمها من المطالبة بالتتبع العدلي خوفاً من الفضيحة المتعلقة بـ "الشرف" مع لومها دون لوم الطرف القائم بالتحرش، إضافة إلى صمت المواطنين عند رؤيتهم لمثل هذه الأفعال الدنيئة وتجاهلهم لنداءات الاستغاثة التي تطلقها المرأة عند اعتراضها أو مقاومتها للمتحرش الذي يهددها أو يعتدي عليها بالعنف اللفظي أو المادي.

 

ضحية تحرش أكثر من مرة

أكدت (س. ب) انتشار التحرش الجنسي الذي تتعرض له النساء في وسائل النقل العمومي، وتقول إنها تعرضت للتحرش الجنسي أكثر من مرة سواء في "المترو" أو في الحافلة التي تركبها يومياً اضطراراً لا اختياراً، مضيفةً أنها فكرت في العديد من المرات ترك عملها الذي يبعد حوالي 35 كيلومتراً عن مكان إقامتها بسبب المضايقات لكنها تقول إن غلاء المعيشة في تونس والتزاماتها الشهرية تجاه عائلتها تجعلها مضطرة إلى التنقل يومياً في وسائل النقل العمومي التي لا تحترم الذات البشرية ولا كرامة الإنسان حسب تعبيرها.

وعن هذه الظاهرة أوضحت إنه "لأمر مقزز ما تتعرض له المرأة في وسائل النقل التي تشهد أغلبها يومياً اكتظاظاً غير معقول في أوقات الذروة، حيث أجساد النساء والرجال ملتصقة بشكل غير مقبول"، مؤكدةً أن التحرش الجسدي هو نتيجة حتمية للوضع المزري الذي يعيشه التونسيون يومياً والتي تكون ضحيته دائماً المرأة التي لا تجد من ينصفها، لا الدولة ولا المجتمع، وفق قولها.

من جانبها قالت (م. ن) البالغة من العمر 20 عام "تعرضت للتحرش قبل أشهر عندما صعدت الحافلة مع صديقتي، ورغم أن الحافلة آنذاك لم تكن مكتظة كثيراً إلا أن رجلاً خمسينياً حاول التحرش بي لفظياً، وحين ابتعدت عن المكان لحق بي وشيئاً فشيئاً التصق بي ولمسني وقام بحركات غير أخلاقية، ووجه لي كلاماً بذيئاً وهددني بالاعتداء بسلاح أبيض حال وصول الحافلة إلى المحطة"، مشيرة إلى أن ذلك "كان أمام مرأى ومسمع كل الركاب، وفقط رجل واحد حاول حمايتي حيث مد يده ليمسك عمود الحافلة ليمنعه من الاقتراب أكثر".

وأكدت في الوقت ذاته أن ظاهرة التحرش الجنسي في وسائل النقل العمومي تتفاقم حتى أصبح الركوب في الحافلة أو المترو هاجساً مرعباً بالنسبة للمرأة في تونس، كما قالت إن جميع صديقاتها تعرضن لكافة أشكال التحرش في وسائل النقل العمومي، منها صديقتها التي كانت حاملاً في شهرها السادس.

وعن تتبعها للمتحرش بينت إنها لن تجني من الشكوى شيئاً في ظل صعوبة تحديد هويته وطول مسار التتبع، كما أن عائلتها ربما سيعتبرونها مُذنبة ويحرموها من مواصلة دراستها علماً أنها تتنقل إلى الجامعة بالحافلة.

 

الاكتظاظ من أسباب التحرش

وبدورها أكدت ذهبية بن ضياف انتشار ظاهرة التحرش الجسدي ضد النساء بشكلٍ لافت، ما أصبح أمراً مزعجاً ومقلقاً جداً للمرأة التونسية خلال تنقلها في بلادها وجعلها تتنقل يومياً صباحاً ومساءاً تحت الضغط في ظلّ عدم توفر وسائل النقل العمومي بالعدد الكافي.

ووصفت الاكتظاظ اليومي في الحافلات والمترو بالمخجل، خاصة وأن الاحتكاك بين النساء والرجال يدوم طول المسافة التي تقطعها وسيلة النقل، باعتبار أن عدد الراكبين يتجاوز بكثير طاقة استيعابها، ما يؤدي في أحيان كثيرة إلى الشجار بين المواطنين والتهديد عندما تستنكر بعض النساء عمليات التحرش.

وأوضحت "لباس المرأة ليس له علاقة بالتحرش لأن هذا الأخير يطال المرأة بغض النظر عن عمرها وعن لباسها سواء كان محتشماً أو جريئاً، فكل النساء في الحافلات أو المترو مستهدفات".

 

 

وتتفق دليلة نصرلي مع سابقاتها حول تفشي ظاهرة التحرش في وسائل النقل العمومي وقالت إن بعض الرجال يعمدون يومياً إلى الالتصاق بالنساء للمسهن ومضايقتهن بشتى الطرق.

وأضافت "ربما يرى المتحرشون في صمت المرأة عند تعرضها لمثل تلك الأفعال ضعفاً وعاملاً دافعاً لمواصلتهم لأفعالهم الشنيعة".

 

 

حملات دون جدوى

في محاولة لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة بحق النساء في وسائل النقل العمومي ولحثهن على فضح هذا السلوك، أطلقت تونس بعض الحملات التوعوية لترفع اللافتات على المترو والحافلات التي تجوب الشوارع نذكر منها "المتحرش ما يركبش معانا"، و "ماتسكتش ماكش وحدك"، وتعليق معلقات كبيرة بالشوارع مع إطلاق تطبيق "يزينا" أي "يكفينا" للإبلاغ عن حالات التحرش لكن ذلك لم يقدم أي نتيجة ولم يكبح جماح هذه الظاهرة الخطيرة.

وحسب دراسة لمركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام "الكريديف" على عينة من التونسيات عام 2018، فإن 90% من النساء تعرضن للتحرش الجنسي في وسائل النقل العمومي.

وللإشارة فإن المشروع التونسي قد بادر بتجريم التحرش الجنسي إلا أن صمت النساء وتراجعهن عن تتبع مرتكبي الجريمة في ظل صعوبة إثباتها مع ارتفاع مطّرد لنسب المتعرضات للتحرش الجنسي في تونس، جعل المشرع يتدخل مرة أخرى بموجب القانون الأساسي عدد 58 لعام 2017 لإعادة تعريف معنى التحرش الجنسي الذي كان كالتالي "يعتبر تحرشاً جنسياً كل اعتداء على الغير بالأفعال أو الإشارات أو الأقوال تتضمن إيحاءات جنسية تنال من كرامته أو تخدش حياءه، وذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغبات المعتدي أو رغبات غيره الجنسية أو بممارسة ضغط خطير عليه من شأنها إضعاف قدرته على التصدي لتلك الضغوط".