الطفولة المستباحة... حين يعجز القانون عن حماية الأطفال
بينت الناشطة الاجتماعية سماهر العنداري بأن العنف الذي يهدد الأطفال في سوريا لم يعد مرتبطاً بسنوات الأزمة وحدها، إذ تكشف حوادث اعتداء متتالية عن مخاطر جديدة داخل المجتمع، وتفتح الباب أمام أسئلة حول الحماية والمحاسبة.
روشيل جونيور
السويداء ـ بعد سنوات من الأزمة، لم تنتهِ المخاطر التي تهدد أطفال سوريا، بل أخذت أشكالاً أخرى داخل المجتمع والأسرة، لتعيد طرح الجدل حول منظومة الحماية والمحاسبة.
مع التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد، ودخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، يواجه المجتمع السوري تحديات تتجاوز آثار الحرب المباشرة. فالأطفال، الذين كانوا لسنوات ضحايا للقصف والنزوح والعنف، يواجهون اليوم أشكالاً أخرى من الانتهاكات، من بينها الاعتداءات والجرائم داخل المجتمع والأسرة، في ظل تساؤلات متزايدة حول آليات حمايتهم ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات بحقهم.
ويطرح هذا الواقع أسئلة ملحّة حول مدى فاعلية منظومة حماية الطفل، وقدرة القانون على ردع العنف الأسري والمجتمعي ومحاسبة مرتكبيه. وهنا يبرز السؤال الأهم: أين القانون عندما تنتهك حقوق الأطفال؟ ومن يحاسب المعتدين؟ وإلى متى ستبقى الطفولة في سوريا عرضة للعنف والانتهاك، من دون حماية تضمن لها أبسط حقوقها في الأمان؟
وخلال الأيام الماضية، أثارت قضيتان موجة من الغضب والقلق في الشارع السوري، بعد تعرض طفلتين لاعتداءات قاسية أدت إلى وفاتهما، إحداهما في دير الزور والأخرى في ريف دمشق، في حادثتين أعادتا إلى الواجهة قضية العنف الذي يطال الأطفال.
ورغم اختلاف ملابسات الحادثتين وتفاصيلهما، فإنهما تكشفان واقعاً مؤلماً، إذ يتعرض أطفال للعنف في بيئات يفترض أن تكون مصدر أمان وحماية لهم. واقع يطرح تساؤلات جدية حول مسؤولية الأسرة والمجتمع والجهات المعنية، ومدى فاعلية الإجراءات المتخذة لحمايتهم ومحاسبة مرتكبي هذه الاعتداءات.
وفي هذا السياق، أجرت وكالتنا لقاء مع الناشطة الاجتماعية سماهر العنداري، التي أكدت أن ما شهدته القضيتان يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الطفولة، واعتداءً على حرمة الجسد والكرامة الإنسانية.
تبرير الانتهاكات يزيد من حالات قتل الأطفال
وبينت سماهر العنداري أن مواجهة هذه الجرائم لا ينبغي أن تقتصر على معاقبة الجاني بعد وقوع الاعتداء، بل تتطلب وجود تشريعات واضحة وفعالة تكفل حماية الأطفال، وتضمن حقوق الضحايا وتحقيق العدالة.
وأضافت أن المجتمع غالباً ما يلجأ إلى تفسير مثل هذه الجرائم بالقول إن المعتدي "مريض نفسياً" أو "غير سوي"، معتبرةً أن هذه التفسيرات، حتى في الحالات التي تثبت فيها وجود اضطرابات نفسية، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتخفيف المسؤولية أو تجاهل حق الضحية في الحماية والعدالة.
وأوضحت أن الاعتداء الجنسي على طفلة لا يقتصر أثره على الجسد، بل يمتد إلى حالتها النفسية ومشاعرها وذاكرتها، وقد يترك أثراً عميقاً في نظرتها إلى ذاتها وإلى المحيط من حولها.
وحول الآثار النفسية المترتبة على هذه الاعتداءات، قالت إن تداعيات الاعتداء الجنسي قد تستمر لسنوات طويلة، وتؤثر في قدرة الضحية على بناء علاقات صحية، والشعور بالأمان، وتكوين الثقة بالآخرين.
قصور في منظومة حماية الطفل
وتساءلت سماهر العنداري عن مدى فاعلية القوانين المعنية بحماية الطفل، منتقدةً ما وصفته بضعف الأطر القانونية الحالية وقصورها عن توفير حماية كافية ورادعة للأطفال والنساء، لا سيما في حالات الاعتداء والانتهاك.
وشددت على أن وصف الاعتداء بأنه "انتهاك" لا ينبغي أن يختزل خطورته أو يمر من دون مساءلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجسد طفلة أو امرأة تعرضت للاغتصاب أو العنف، وترى أن حماية الضحية يجب أن تكون شاملة، وألا تقتصر على معاقبة الجاني بعد وقوع الجريمة فقط، بل أن تمتد إلى الوقاية، توفير الدعم للضحايا، وضمان عدم تعرضهم لمزيد من الأذى خلال مسار العدالة.
الحاجة إلى الوعي المجتمعي
وترى سماهر العنداري أن مواجهة ظاهرة العنف والاعتداء على الأطفال لا يمكن أن تقتصر على الجانب القانوني وحده، بل تتطلب أيضاً تغييراً اجتماعياً وتربوياً وثقافياً يعزز الوعي بحقوق الطفل.
وتؤكد أن بناء مجتمع أكثر أماناً يتطلب منظومة من القيم الأخلاقية والإنسانية، قائلةً إن "المجتمع يحتاج إلى منظومة أخلاقية وإنسانية تحمي الإنسان، وتجعله يدرك أن كرامة الآخر وجسده ومشاعره ليست ملكاً لأحد".
ودعت سماهر العنداري النساء إلى كسر حاجز الصمت والإفصاح عن أي اعتداء يتعرضن له، مؤكدةً أن تعزيز الوعي المجتمعي وتوفير بيئة آمنة للحديث عن الانتهاكات، بعيداً عن الخوف والوصمة، يمكن أن يساهمان في الحد من استمرار الجرائم.
وشددت على أن حماية الطفولة ليست قضية تخص أسرة واحدة، ولا حادثة عابرة، وإنما مسؤولية مجتمع كامل، تبدأ من التربية والوعي، وتمر عبر القانون والمحاسبة، وتنتهي ببيئة يشعر فيها كل طفل وكل امرأة بأن جسده وكرامته وحياته مصانة.