المرأة اليمنية في الفضاء الرقمي... إصرار يتحدى ضعف البنية التحتية

رغم التحديات التقنية والاقتصادية والاجتماعية، تسعى النساء اليمنيات لاقتناص فرص الاقتصاد الرقمي عبر مشاريع منزلية صغيرة، مستثمرات ما توفره التكنولوجيا من أدوات للتسويق والعمل، رغم فجوة رقمية واسعة تعيق توسعهن واستدامة مشاريعهن.

رحمة شنظور

اليمن ـ في اليمن، تتجه أعداد متزايدة من النساء إلى الفضاء الرقمي كوسيلة لكسر العزلة الاقتصادية وخلق فرص دخل جديدة، مستفيدات من الهواتف الذكية ومنصات التواصل الافتراضي لتعلم مهارات التسويق الإلكتروني وإدارة المشاريع المنزلية الصغيرة، رغم التحديات الكبيرة التي تفرضها البنية التحتية الهشة، بما في ذلك ضعف خدمات الإنترنت والانقطاعات المتكررة للكهرباء. 

رغم ما تبديه النساء من إصرار على الاستفادة من التحول الرقمي، لا تزال الفجوة الرقمية ومحدودية فرص الوصول المتكافئ إلى الموارد والتدريب، إلى جانب المحسوبية في بعض القطاعات، تشكل عوائق رئيسية تحول دون اندماج المرأة اليمنية بشكل أوسع في سوق العمل الحديث والاقتصاد الرقمي.

 

مشاريع منزلية... وأثر محدود في مواجهة البطالة

خلال السنوات الأخيرة، انتشرت المشاريع النسائية المنزلية في مجالات متعددة، من صناعة الحلويات إلى التجارة الإلكترونية، إلا أن أثرها على معالجة البطالة الجماعية ما يزال محدوداً. مع ذلك، تحاول بعض النساء الاستفادة من التكنولوجيا المتاحة بصورة ذاتية لصناعة فرص بديلة، ومواجهة تحديات ارتفاع تكاليف الإيجارات، عبر الترويج لمنتجاتهن في الفضاء الرقمي.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد إحصائيات رسمية دقيقة بعدد المشاريع التجارية الإلكترونية في اليمن، لكن المؤشرات المتاحة تُظهر أن عدد مستخدمي الإنترنت في اليمن بلغ نحو 6.16 ملايين شخص حتى كانون الثاني/يناير 2024، ما يمثل 17.7% من إجمالي السكان، وهي قاعدة رقمية تنمو تدريجياً وتُمثل سوقاً محتملة للنساء العاملات في هذا المجال.

 

حلم التوسع يصطدم بالواقع

تقول إيناس عبده (36 عاماً)، صاحبة مشروع منزلي لصناعة الحلويات، إنها حاولت من خلال مشروعها توفير مصدر دخل يساعدها على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، لكنها سرعان ما اصطدمت بعوائق حالت دون توسعته.

وتضيف "قررت أن أفتح مشروع حلويات، وأنشئ صفحة على وسائل التواصل للترويج للمنتجات، لكني واجهت تحديات كبيرة. كنت أعاني يومياً بسبب ضعف شبكة الإنترنت، والارتفاع الباهظ لكلفة الباقات، وانقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر. فالاستمرار في العمل وسط هذه الظروف يشبه المعجزة، فضعف الإنترنت والكهرباء يستنزف طاقاتنا ووقتنا. ولو توفر دعم حقيقي للبنية التحتية، لاستطاعت آلاف النساء العمل والإنتاج من منازلهن".

 

تحديات تقنية واقتصادية تعيق الاستمرار

من جانبها، تؤكد الصحفية والناشطة اليمنية أبرار مصطفى أن العمل في الفضاء الرقمي أصبح خلال السنوات الأخيرة خياراً متزايداً أمام النساء اليمنيات لمواجهة البطالة وتحسين الدخل، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات كبيرة قد تعيق نجاح المشاريع واستمرارها.

وتوضح أن النساء اللواتي يعملن في التسويق الإلكتروني أو إدارة المشاريع المنزلية عبر الإنترنت يواجهن صعوبات يومية بسبب الانقطاعات المتكررة للكهرباء وضعف خدمة الإنترنت، وهما عاملان أساسيان لأي نشاط رقمي، مضيفة أن هذه الظروف تجعل من الصعب توسيع قاعدة العملاء والوصول إلى أسواق جديدة، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي أثرت على القدرة الشرائية للكثير من الأسر.

وتقول "الدخل الناتج عن هذه المشاريع غالباً ما يكون غير مستقر، فقد تحقق صاحبة المشروع مبيعات وأرباحاً في يوم معين، لكنها قد تعجز في أيام أخرى عن تغطية التكاليف الأساسية". كما أن بعض المنتجات قد تتلف نتيجة انقطاع الكهرباء، ما يؤدي إلى خسائر مباشرة في رأس المال المحدود الذي تعتمد عليه النساء لبدء مشاريعهن.

وترى أن التحدي لا يقتصر على إطلاق المشروع فقط، بل يمتد إلى القدرة على الاستمرار والتوسع وتجاوز العقبات حتى يصل إلى مرحلة الاستقرار، مشيرة إلى أن كل فرصة اقتصادية متاحة للنساء في اليمن ترافقها سلسلة من التحديات، خاصة في مجالات التسويق الرقمي وبيع المنتجات عبر الإنترنت.

 

تحديات اجتماعية وقصص فشل مبكر

ولم تقتصر الصعوبات على الجانب التقني والاقتصادي، بل امتدت إلى تحديات اجتماعية وثقافية تحد من قدرة بعض النساء على التوسع في أعمالهن. توضح أبرار مصطفى أن كثيرات يفضلن إبقاء دائرة العملاء محدودة خشية التعرض للمضايقات أو سوء استخدام وسائل التواصل بعد الظهور في الفضاء الرقمي.

وتؤكد أن العديد من النساء اللواتي اتجهن إلى التجارة والتسويق الإلكتروني بحثاً عن مصدر دخل اضطررن إلى التوقف في المراحل الأولى من مشاريعهن بسبب تداخل عدة عوامل، أبرزها انقطاع الكهرباء، وضعف الإنترنت، والخسائر التي قد تنتج عن تلف المنتجات أو تعثر عمليات التسويق.

وتضيف أن صعوبة استئجار محال تجارية يدفعان غالبية النساء إلى إدارة مشاريعهن من داخل المنازل، الأمر الذي يقلل من النفقات لكنه يفرض تحديات إضافية تتعلق بالوصول إلى العملاء وتحقيق الانتشار المطلوب.

 

الفجوة الرقمية تزيد التحديات ونماذج نجاح رغم الصعوبات

ولا تقتصر التحديات التي تواجه النساء اليمنيات على ضعف البنية التحتية فقط، بل تمتد إلى الفجوة الرقمية المرتبطة بفرص الوصول إلى التكنولوجيا والتدريب. فالكثير من النساء، خصوصاً في المناطق الريفية، ما زلن يواجهن صعوبة في الحصول على خدمات إنترنت مستقرة أو اكتساب المهارات الرقمية اللازمة للدخول إلى سوق العمل الإلكتروني، ما يحد من قدرتهن على الاستفادة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الرقمي.

ورغم هذه التحديات، تمكنت بعض النساء اليمنيات من تحويل وسائل التواصل إلى منصات للتسويق وبيع المنتجات والخدمات، مستفيدات من المشاريع المنزلية والتدريب الذاتي عبر الإنترنت. وأسهمت هذه التجارب في توفير مصادر دخل للأسر، وأظهرت قدرة المرأة اليمنية على التكيف مع الظروف الصعبة وابتكار حلول بديلة لمواصلة العمل والإنتاج من المنزل.

وتؤكد دراسة أجريت على 101 سيدة أعمال في اليمن أن وسائل التواصل أصبحت أداة واسعة الانتشار بين النساء، وأسهمت بشكل كبير في تعزيز استراتيجيات التسويق والترويج والتواصل التجاري، مما يعكس الإمكانات الكامنة في هذا القطاع رغم العقبات القائمة.

ويرى مهتمون بريادة الأعمال أن توسيع مشاركة المرأة في الاقتصاد الرقمي يتطلب الاستثمار في البنية التحتية للاتصالات والطاقة، إلى جانب توفير برامج تدريب متخصصة في التسويق الإلكتروني وإدارة المشاريع والتجارة الرقمية. كما يؤكدون أهمية توفير تمويلات صغيرة ومبادرات دعم تستهدف النساء صاحبات المشاريع الناشئة، بما يساعدهن على تجاوز العقبات الأولى وتحويل مشاريعهن إلى مصادر دخل مستدامة.

 

طريق طويل نحو الاستقرار

وتختتم الناشطة أبرار مصطفى حديثها بالقول إن بناء مشروع رقمي ناجح يحتاج إلى وقت وصبر وإمكانات مالية تساعد صاحبة المشروع على الاستمرار، مشيرة إلى أن كثيراً من النساء يحتجن إلى فترة تتراوح بين ستة أشهر وعام كامل قبل أن تبدأ مشاريعهن في تحقيق حضور فعلي وعائد مستقر، وخلال هذه الفترة يواصلن الإنفاق من مدخراتهن الخاصة أملاً في الوصول إلى مرحلة الاستقرار والنمو.

ورغم التحديات التقنية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها النساء اليمنيات في الفضاء الرقمي، فإن الكثير منهن ما زلن ينظرن إلى التكنولوجيا باعتبارها نافذة مهمة لتحسين أوضاعهن المعيشية وخلق فرص عمل من داخل المنازل. غير أن توسيع مشاركة المرأة في الاقتصاد الرقمي يتطلب تحسين خدمات الإنترنت والكهرباء، وتوفير برامج تدريب ودعم مالي تُمكّن النساء من تطوير مشاريعهن وتحويلها إلى مصادر دخل مستدامة.

وفي الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو الاقتصاد الرقمي بوصفه أحد أهم محركات التنمية وخلق فرص العمل، تواصل المرأة اليمنية خوض معركة يومية لإثبات حضورها في هذا المجال، متسلحة بالإصرار والطموح، رغم واقع مثقل بالأزمات وضعف الإمكانات.