المراكز الصيفية في مناطق الحوثيين... عسكرة العقول واستهداف النشء
تواجه أسرٌ يمنية، كعائلة مريم أحمد، تحديات صعبة في حماية أطفالها من برامج التعبئة الفكرية داخل المراكز الصيفية الحوثية، حيث تُغرس مفاهيم أيديولوجية وعسكرية تهدد وعي النشء وتحوّل الطفولة إلى ساحة صراع ممتد.
رانيا عبد الله
اليمن ـ خلف أسوار المراكز الصيفية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، لا يتلقى الطلبة مهارات التخاطب، أو تدريبات على الإملاء وتحسين الخط، ولا يتعلم الصغار الرسم أو الموسيقى؛ بل إن ما يتلقاه الأطفال واليافعون هو كيفية "تعريف العدو"، وتلقين التقنيات القتالية، ومحاضرات مكثفة عن العقيدة والدين وفق منظور الحوثيين وأفكارهم الخاصة.
تقطن أسرة مريم أحمد برفقة زوجها وأبنائها الخمسة في إحدى القرى التي يسيطر عليها الحوثيين في ريف تعز. وقد استنفدوا كل الطرق الممكنة لحماية أبنائهم، تقول مريم أحمد وهو اسم مستعار لامرأة رفضت الكشف عن هويتها حفاظاً على سلامتها "في بيئة تطوقنا من كل جانب، أصبحنا لا نعلم كيف نتعامل مع المعلومات والتعبئة التي يتلقاها أولادنا، سواء في المدارس أو في المراكز الصيفية".
وتقول بحسرة "كلما كنا نأمل بأننا سنتخلص من الحوثيين واستقطابهم لأطفالنا، زادت توسعاً وتمدداً، وبات من الصعب جداً علينا حمايتهم من هذه الأفكار والمعتقدات التي تؤثر فيهم وتسلبنا إياهم".
العدوان والجهاد
ويخضع الطلبة هناك والتي تتراوح أعمارهم من 10 ـ 18 عاماً، لمناهج تتضمن أنشطة يوصفها الحوثيين بأنها "إيمانية، عبادية، وثقافية مستمدة من ثقافة القرآن لتصحيح المفاهيم المغلوطة ومواجهة الأفكار التضليلية للأعداء".
الطفل (م. س. ع)، 14 عاماً، هو واحد من آلاف الأطفال الذين التحقوا بالمراكز الصيفية في العاصمة صنعاء وطوال فترة الإجازة الصيفية، كان يقضي أكثر من ثلاث ساعات يومياً داخل المركز الصيفي، يحضر خلالها محاضرات دينية وعقائدية وعسكرية، يقول "ندرس القرآن الكريم وتفسيره، وأيضاً محاضرات السيد".
لا يقتصر الأمر على ذلك، بل تُحشى عقول الأطفال واليافعين بالمسائل العسكرية والسياسية؛ فمن الدروس الدينية إلى المحاضرات العسكرية، يتم التركيز على تطويع أفكار الصغار، يضيف الطفل "أكثر شيء يتم شرحه لنا هو عن مواجهة العدو والجهاد، وعن الخيانة والخونة في مثل هذه الأيام، وما العقاب الذي يستحقونه".
رصد الإعلام
وقد حرصت وكالتنا رصد الرواية الرسمية للحوثيين، حيث نشرت وسائل إعلام تابعة للحوثيين تقارير وثقت اختتام أنشطة وبرامج الدورات الصيفية التي أُقيمت تحت شعار "علم وجهاد" (1447هـ/ 2026م)، وأفادت التقارير الرسمية الصادرة عنهم بنجاح اللجنة الفرعية في استقطاب أعداد قياسية على مستوى الحديدة وحدها، حيث أعلن الحوثيين أن عدد الطلاب والطالبات الملتحقين بالمدارس الصيفية في مختلف مديريات المدينة بلغ 184 ألف طالب وطالبة.
ووفقاً للرواية الإعلامية للحوثيين، فقد تضمن الحفل عروضاً كشفية رُفع خلالها العلمان اليمني والفلسطيني (في توظيف لافت للقضايا الإقليمية في التحشيد).
آثار طويلة
توضح مسؤولة الأنشطة في مكتب التربية والتعليم بمدينة تعز جنوب غرب اليمن، الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، هيفاء الشرعبي، أن المراكز الصيفية الحوثية تمثل خطراً متزايداً على الأطفال، إذ لا تقتصر آثارها على فترة زمنية محددة، بل تمتد لسنوات طويلة من عمر الطفل، خصوصاً عندما يتم توجيهه منذ سنواته الأولى نحو فكر أيديولوجي محدد.
تقول "نحن نعلم أن مرحلة الطفولة المبكرة هي مرحلة الأمان النفسي والمعرفي، ومرحلة الاكتشاف والاستكشاف والبحث والتحليل والتفكير، إلا أن ما يحدث داخل هذه المراكز يؤدي إلى بناء معرفة مشوهة لدى الأطفال، ويجعلهم عرضة للتوجيه الفكري المكثف، في ظل ضغوط تدفعهم إلى تبني أفكار محددة دون منحهم فرصة للتساؤل أو التفكير الحر".
وأشارت إلى أن الحوثيين ركزوا جهودهم على غرس أفكار وقيم في أذهان الأطفال، بحيث يصبح من الصعب لاحقاً إعادة بناء وعيهم أو تصحيح المفاهيم التي ترسخت لديهم. ومع مرور الوقت، تتراجع لديهم فرص التفاعل المجتمعي الطبيعي، وتنشأ حالة من رفض الآخر وعدم تقبل التعايش أو التنوع الفكري.
تحذيرات واسعة
تُبرز تقارير صادرة عن المنظمات الدولية والمحلية حقائق صادمة حول استغلال المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين؛ حيث وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش قيام الحوثيين بتوسيع عمليات تجنيد الأطفال واليافعين عبر هذه المراكز، مستغلةً الأحداث الإقليمية لرفد معسكراتهم وتعبئة النشء أيديولوجياً وعسكرياً.
وترى المحامية والناشطة غزة السامعي أن مشكلة تجنيد الأطفال من قبل الحوثيين انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وتكمن خطورة هذه الممارسات في أنها قد ترقى، من الناحية القانونية، إلى جرائم حرب، وفقاً لما نصت عليه العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية.
وأوضحت أن اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 حذرت من تجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشرة، كما جاء البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة لعام 2000 ليعزز الحماية ويرفع سن التجنيد إلى 18 عاماً "ان ما يتعرض له الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين يمثل انتهاكاً واضحاً لهذه الالتزامات الدولية، خصوصاً مع استمرار تجنيد أطفال دون الخامسة عشرة من العمر".
أما فيما يتعلق بآليات المساءلة القانونية، تقول غزة السامعي، أن المسؤولية تقع على القادة والأشخاص الذين يتولون اختيار الأطفال وتجنيدهم. وعلى المستوى الدولي، يُعد مجلس الأمن الدولي من أبرز الجهات المعنية بمتابعة هذه الانتهاكات ومساءلة مرتكبيها، إلى جانب المنظمات الدولية التي تعمل على رصد هذه الممارسات والدفاع عن حقوق الأطفال وحمايتهم.
لم تكن معركة مريم أحمد والكثير من الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين وليدة اللحظة، بل هي مواجهة مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، وفي كل مرة كانت تظن أن الخلاص بات قريباً، كانت السنوات تمر مسرعة لتسرق حلمها في الحفاظ على فطرة أبنائها ونشأتهم السوية.