الجامعة فضاء غير آمن... طالبات يواجهن التحرش والاستغلال

في الجامعات الإيرانية، لا تنتهي معاناة الطالبات عند أبواب قاعات الدراسة؛ فشهادات متكررة تكشف عن تحرش وضغوط واستغلال للسلطة، تجعل من الجامعة فضاءً تتعرض فيه النساء للابتزاز والإهانة، بينما يفاقم ضعف المساءلة شعورهن بأن المواجهة قد تكون أكثر كلفة.

سارة بورخزري

كرماشان ـ تعتبر الشابات في إيران أن الجامعة تمثل طريقاً نحو الاستقلال وتعزيز هوياتهن، وبيئة يفترض أن توفر لهن الأمان للنمو واكتساب المعرفة والوعي. إلا أن ما روته الكثير من الطالبات يشير إلى أن النظام الأبوي وأنماط التحرش تحولت في بعض الجامعات إلى ظاهرة متكررة خلال السنوات الأخيرة.

بحسب ما وردت من شهادات فقد تعرضت العديد من الطالبات الجامعيات لمضايقات مباشرة وغير مباشرة من الأساتذة والمدراء، إلى جانب سلوكيات مهينة وعنصرية تجاه النساء، وتهديدات مبطنة، ووعود مشروطة بالخضوع؛ ما جعل الجامعة بالنسبة إلى كثير منهن ساحة مواجهة مع البنى الأبوية.

تروي شبنم. ح، وهي طالبة في جامعة بيام نور في كرماشان، كيف أصبحت ضحية للتحرش والإهانة في المكان الذي كان من المفترض أن يكون فضاءً للتعلم والنمو "عندما رفضت طلب الزواج الذي تقدم به أحد أساتذة الجامعة، بدأ بنشر الشائعات عني، لقد اختلق شائعات تزعم أنني على علاقة بجميع رجال الجامعة، وأنني ألتقي بهم يومياً في دورات المياه".

وأشارت إلى أنها تقدمت بشكوى إلى رئيس الجامعة "قلت له إنه يستطيع مراجعة كاميرات المراقبة ليتأكد من أن كل هذه الادعاءات كاذبة. في البداية تظاهر مدير الجامعة بأنه يدعمني، لكن سرعان ما اتضح أن لديه هدفاً آخر، كان يحاول باستمرار استدراجي إلى مكتبه، وحاول عدة مرات الإمساك بيدي، وكان يقول لي بنبرة مهينة (أنت تستحقين رجلاً مثلي يحميك)، حتى إنه كان يقترح أن نجلس لوحدنا ونتحدث عن مشكلاتنا".

وتضيف "عندما اعترضت وقلت له (كلكم سواء)، قام المدير في اليوم التالي بإهانتي أمام جميع الطلاب، عند مدخل الجامعة، وبصوت مرتفع، وقال إن الملابس التي أرتديها للجامعة مخصصة للحفلات الليلية وإنني تسببت في الفساد داخل الجامعة. كان هذا الهجوم العلني لمجرد أنني لم أستجب له، وبعد أسابيع من الضغط والإهانة المستمرين، اضطررت إلى ترك الجامعة".

 

التحرش في ظل السلطة

خلال السنوات الأخيرة، نُشرت تقارير عديدة عن تعرض طالبات للتحرش الجنسي من قبل أساتذة ومدراء جامعات، ما يشير إلى أن التحرش الجنسي من جانب الأساتذة والمدراء أصبح نمطاً متكرراً في الأوساط الأكاديمية.

ومن أحدث الأمثلة على ذلك ما حدث في جامعة كردستان، حيث تقدمت 17 طالبة بشكوى رسمية ضد أستاذهن جمال محمدي، متهمات إياه بالتحرش الجنسي، في البداية صدر قرار بفصله، لكن في نهاية المطاف رُفضت جميع الاتهامات من جانب الجهات الرسمية وتمت تبرئته.

وأثار هذا القرار موجة من الغضب والاحتجاج بين الطلاب الذين نظموا تجمعاً احتجاجياً مطالبين بمحاكمته ومساءلته، لكن الأجهزة القضائية ظلت، بحسب الرواية، داعمة للشخص المتهم.

ويُظهر هذا المثال بوضوح كيف يمكن لبنى السلطة في الجامعات، بدلاً من دعم الضحايا، أن تعمل في كثير من الأحيان على حماية مكانة المتهمين وسمعتهم، وأن يتمتع المعتدون بنوع من الحصانة غير المعلنة التي تحميهم من المساءلة والعقاب الفعلي، لكن ما الذي يجعل الرجال العاملين في الجامعات يفرضون احتياجاتهم الجنسية على الطالبات بهذه الجرأة؟

تقول فروزان ياري (اسم مستعار)، وهي ناشطة طلابية "كثير من الرجال، بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو وظائفهم، يعتبرون تسخير النساء لخدمتهم حقاً طبيعياً وبديهياً لهم، ففي منطق النظام الأبوي، لا يُنظر إلى المرأة على أنها ملزمة بالخدمة فحسب، بل يُعرَّف مسار نجاحها أيضاً بطريقة تجعل الوصول إلى المناصب الاجتماعية والمهنية مشروطاً، بطريقة أو بأخرى بتقديم (دين) للرجال".

وفي البيئات الإدارية، تواجه النساء بوضوح عروضاً جنسية من الموظفين الرجال أثناء متابعتهن لمعاملاتهن؛ عروضاً تُفهم في الواقع على أنها شرط لإنجاز العمل أو متابعة الملف "يُعاد إنتاج هذا المنطق داخل البيئة الجامعية أيضاً؛ إذ يعتقد بعض الأساتذة ومدراء الجامعيين أن الطالبات لا يستحققن النجاح في الامتحانات أو إكمال مراحل الدراسة إلا إذا قدمن لهم خدمات".

ومن جهة أخرى، توضح أن "وجود قوانين تحمي الرجال وضعف البنى القانونية في مواجهة العنف والتحرش الجنسي يمنح هؤلاء الأشخاص جرأة أكبر، وفي ظل هذه القوانين، يمارس الرجال في البيئات الجامعية والإدارية ضغوطاً أكبر على النساء، لأنهم يعرفون أن احتمال الملاحقة الجدية أو العقوبة ضعيف".

وتضع هذه الحلقة المفرغة النساء في وضع يضطررن فيه إلى دفع تكاليف نفسية واجتماعية وحتى جسدية باهظة للحصول على حقوقهن الأساسية، وفي معظم الحالات يلتزمن الصمت تجاه هذه المضايقات خوفاً على سمعتهن، كما تؤكد فروزان ياري.

 

لماذا يبقى التحرش الجنسي في الجامعات بلا استجابة؟

على الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية ودقيقة حول حجم التحرش الجنسي في الجامعات، فإن روايات الطلاب ترسم صورة لاستمرار هذه المضايقات، ولصعوبة الحديث عنها أو تسجيلها رسمياً.

تقول بروين. د، وهي طالبة سابقة في جامعة آزاد في كرماشان، إن رئيس الجامعة كان في البداية يوجه إليها تحذيرات بشأن ملابسها بحجة "درس الأخلاق"، لكنه بدأ تدريجياً في إظهار سلوكيات جنسية ومهينة، من بينها لمس جسدها والتعليق على شكله، ولأنها كانت تخشى عائلتها ولم تكن قادرة على الاعتراض، انتهى بها الأمر إلى الانسحاب من الجامعة.

وتشير هذه الرواية وغيرها من الحالات المشابهة إلى تحول الجامعة لفضاء غير آمن للطالبات؛ فضاء تعزز فيه علاقات القوة غير المتكافئة والدعم البنيوي للرجال، فالتحرش والضغط على النساء، يدفعهن إلى الصمت أو إلى ترك الجامعة.