الفيليون في العراق... تاريخ من المعاناة وتمسك بالجذور والانتماء

يحمل الكرد الفيليون تاريخاً مثقلاً بالتهجير وسحب الجنسية والحرمان من الحقوق، لكنهم حافظوا على هويتهم وصمودهم رغم كل المحن. وبين مطالب الإنصاف وكشف مصير المفقودين، يواصل هذا المكون الدفاع عن جذوره بوصفه جزءاً لا ينفصل عن الذاكرة العراقية.

رجاء حميد رشيد

العراق ـ على امتداد عقود طويلة، حمل الكرد الفيليون واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في التاريخ العراقي الحديث. فبين التهجير القسري وإسقاط الجنسية ومصادرة الممتلكات والاختفاء القسري لآلاف الأبناء، عاش هذا المكون تجربة قاسية تركت آثارها العميقة في الذاكرة الجماعية. ورغم ذلك، لم تنجح سياسات الإقصاء في اقتلاع جذورهم أو طمس هويتهم الثقافية والاجتماعية، بل زادتهم تمسكاً بانتمائهم الوطني وإرثهم التاريخي.

إلا أن العقود الماضية حملت لهم مآسي متراكمة تمثلت في التهجير الجماعي وسحب الجنسية والحرمان من الحقوق الأساسية، وهي جراح ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم. وبينما تستمر المطالبات بالإنصاف وكشف مصير المفقودين واستعادة الحقوق، يواصل الفيليون الدفاع عن هويتهم وتراثهم بوصفهما جزءاً لا يتجزأ من تاريخ العراق وحاضره.

 

الفيليون بين الجغرافيا المتحركة والحدود المتبدّلة

يشكل الكرد الفيليون جزءاً أصيلاً من النسيج العراقي المتنوع، إذ امتد حضورهم التاريخي في بغداد وديالى وواسط وخانقين ومناطق أخرى، وأسهموا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد. كما عاش قسم كبير منهم في محافظات إيلام وكرمانشان ولرستان داخل إيران. بحسب إحدى الروايات تعود تسمية "فيلي" إلى القرن السادس عشر، حين استخدمت للتمييز بين "أمارة اللر الصغير" وحاكمها الذي كان يعد "اللر الحقيقي أو الفعلي"، ثم تحولت كلمة "فعلي" إلى "فيلي" مع الزمن وفق قواعد التحول الصوتي في لهجة اللور الصغير.  

تلك الجغرافيا الحدودية جعلتهم عرضة لتقلبات السياسة بين الإمبراطوريات الفارسية والعثمانية، ثم بين إيران والعراق بعد ترسيم الحدود عام 1905. ومع كل حرب أو أزمة، كانت موجات نزوح جديدة تدفع الفيليين نحو بغداد والعتبات المقدسة بحثاً عن الأمان والعمل، خصوصاً في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين.

استقر الفيليون في بغداد منذ قرون، وكان لهم حي يعرف بـ "حيّ الأكراد" في العصر العباسي. ومع تهجير اليهود عام 1951، ملأ الفيليون الفراغ الاقتصادي في العاصمة، وبرزوا كتجار وحرفيين وحمالين احتكروا نقل الأحمال الثقيلة في بغداد والبصرة، هذا الحضور الاقتصادي والاجتماعي جعلهم جزءاً أساسياً من نسيج المدينة، لكنه جعلهم أيضاً هدفاً للسلطات المتعاقبة التي رأت في كثافتهم وتأثيرهم ثقلاً يجب ضبطه، خصوصاً بعد دعمهم للثورات الكردية ومقاومتهم انقلاب البعث عام 1963 في منطقة باب الشيخ.

 

الحفاظ على الهوية معركة الذاكرة والانتماء

تصف أزهار عبد المجيد رئيسة اتحاد نساء كردستان ـ فرع بغداد، هويتها كامرأة كردية فيلية بأنها مزيج من الانتماء القومي الكردي والخصوصية الثقافية الفيلية، مؤكدة أن هذه الهوية صمدت رغم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق.

ولفتت إلى أنه للفيليين تاريخ طويل ومتشعب، يبدأ من عمق الحضارات القديمة، ويمتد عبر القرون، ولا يزالون يسعون للحفاظ على لغتهم وعاداتهم وذاكرتهم الجمعية، مع الانفتاح على مختلف مكونات المجتمع العراقي، انطلاقاً من إيمانهم بأن التنوع مصدر قوة وإثراء للمجتمع لا سبباً للتهميش أو الإقصاء.

وأكدت على أن العائلة الفيلية ما زالت تؤدي دوراً محورياً في نقل ملامح الهوية إلى الأجيال الجديدة، من خلال الحفاظ على اللهجة الفيلية، وترسيخ قيم الترابط الأسري، والتمسك بالعادات الاجتماعية والتراث الشعبي، فضلاً عن توارث قصص المعاناة والصمود التي تحولت إلى جزء من الذاكرة الجمعية للمكون الفيلي.

ورغم استمرار حضور اللهجة الفيلية داخل العديد من المنازل، خاصة بين كبار السن، فإنها تواجه تحديات متزايدة مع اتساع استخدام اللغة العربية بين الأجيال الشابة كما أوضحت أزهار عبد المجيد التي ترى أن غياب الدعم الإعلامي والتعليمي والثقافي قد يهدد مستقبل هذه اللهجة ويعرضها لخطر التراجع التدريجي.

 

تراث غني يحكي قصة شعب

تزخر الثقافة الفيلية بموروث متنوع يعكس عمق جذورها التاريخية. فمن الأزياء التراثية الكردية الفيلية إلى الأطباق الشعبية التي تتصدرها الدولمة والكبة وأكلات المناسبات الخاصة، مروراً بالأغاني الفلكلورية والرقصات الشعبية، تتجلى هوية هذا المكون في تفاصيل الحياة اليومية.

ونوهت أزهار عبد المجيد إلى العادات الاجتماعية الفيلية التي تتميز بقيم الكرم والتكافل الاجتماعي واحترام كبار السن، وهي قيم ظلت حاضرة رغم سنوات التهجير والتشتت، لافتةً إلى أنه في المناسبات الدينية والوطنية، يحافظ الفيليون على طقوسهم الخاصة. ففي عيد نوروز تتجسد معاني الحرية والارتباط بالأرض والطبيعة والهوية الكردية، بينما تحمل ذكرى عاشوراء أبعاداً روحية واجتماعية عميقة تتجلى في المجالس والطقوس التي تستحضر قيم التضحية والعدالة والإنسانية.

وفي قلب كل قصة صمود، كانت المرأة حاضرة بوصفها الحارس الأمين للهوية والتراث. فقد لعبت دوراً محورياً في نقل الحكايات الشعبية والأغاني والأمثال والعادات الاجتماعية من جيل إلى آخر، محافظة بذلك على الذاكرة الجماعية للمجتمع الفيلي.

وتؤكد أن الجيل الشاب بات أكثر اهتماماً بهويته وانتمائه مقارنة بالماضي، مستفيداً من وسائل التواصل الافتراضية والأنشطة الثقافية التي أسهمت في تعزيز الوعي بتاريخ المكون الفيلي وقضاياه. لكنها تحذر في الوقت نفسه من وجود فجوة لدى بعض الشباب نتيجة ضعف التواصل مع اللغة والتراث، ما يجعل من الضروري تعزيز دور الأسرة والمؤسسات الثقافية والتعليمية في ربط الأجيال الجديدة بجذورها التاريخية والثقافية.

 

التهجير وسحب الجنسية... جرح لم يندمل

بلغت معاناة الفيليين ذروتها في الرابع من نيسان/أبريل عام 1980، حين قررت وزارة الداخلية في عهد صدام حسين تسفير من وصفتهم بـ "التبعية الإيرانية" إلى إيران، وكان بينهم مئات الآلاف من الفيليين. تم آنذاك تهجير نحو نصف مليون فيلي، وحجز أكثر من 22 ألف شاب كانوا يؤدون الخدمة العسكرية، ولم يعرف مصير الكثير منهم حتى اليوم، بحسب التاريخ المكتوب لم يكن التهجير مبنياً على أحكام قضائية، بل كان عملية قسرية نفذتها الأجهزة الأمنية بطريقة عشوائية.

وهو ما أكدت عليه أيضاً أزهار عبد المجيد معتبرةً إياها واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخهم الحديث، مشيرةً إلى أنه في تلك الحقبة، تعرض آلاف الفيليين للاعتقال والاختفاء القسري ومصادرة الممتلكات، فيما أُجبرت عائلات بأكملها على مغادرة وطنها قسراً. وتؤكد أن تلك الأحداث لم تكن مجرد إجراءات سياسية عابرة، بل شكلت جرحاً عميقاً في الوعي الجمعي للفيليين، ما زالت آثاره النفسية والاجتماعية والاقتصادية ماثلة حتى اليوم.

وأشارت إلى أنه خلال سنوات التهجير والمعاناة، لم تكتف المرأة الفيلية بتحمل أعباء الأسرة وفقدان الأحبة، بل واجهت أيضاً تحديات التمييز والإقصاء. ورغم كل ذلك، استطاعت أن تتحول إلى رمز للصبر والثبات.

 

عقبات مستمرة أمام استعادة الحقوق

ورغم مرور سنوات على سقوط النظام السابق، لا يزال الكرد الفيليون يواجهون عقبات إدارية وقانونية تعرقل استعادة كامل حقوقهم، حيث كان الفيليون يأملون باستعادة حقوقهم، لكن واقعهم بقي معقداً بسبب الانقسامات السياسية والطائفية. ورغم الاعتراف بهم كأقلية كردية في الدستور العراقي، ما زالت ملفاتهم العالقة تشمل استعادة الجنسية لمن سحبت منهم، الكشف عن مصير آلاف المفقودين، استرجاع الممتلكات المصادرة، وكذلك تمثيل سياسي يليق بحجمهم وتاريخهم.

وتشير أزهار عبد المجيد إلى أن من أبرز العقبات استمرار إحالة بعض معاملاتهم إلى شُعب الأجانب، وهو إجراء يترك أثراً نفسياً مؤلماً لدى أبناء هذا المكون الذين يرون في ذلك تناقضاً مع حقيقة انتمائهم الوطني وتاريخ وجودهم في العراق، لافتةً إلى أن المهجرون العائدون يواجهون صعوبات إضافية بسبب اشتراط تقديم بطاقة السكن عند استكمال معاملات استعادة الجنسية، ما يضطر الكثير منهم إلى استئجار مساكن وتحمل أعباء مالية جديدة رغم الظروف الصعبة التي مروا بها.

 

بين المفقودين والتعويضات... العدالة المؤجلة

وترى أزهار عبد المجيد أن ملف التعويضات والإنصاف الحكومي ما زال بعيداً عن تحقيق العدالة المنشودة. فعلى الرغم من وجود بعض الخطوات الإيجابية، إلا أنها لا ترتقي إلى حجم المأساة التي تعرض لها الفيليون.

وتؤكد أن الإنصاف الحقيقي لا يقتصر على التعويضات المادية، بل يتطلب اعترافاً رسمياً كاملاً بالانتهاكات التي ارتُكبت بحقهم، والكشف عن مصير المفقودين، واستعادة الحقوق، وتوفير ضمانات تحول دون تكرار تلك المآسي مستقبلاً.

وشددت أزهار عبد المجيد على أن تحقيق مصالحة حقيقية مع الكرد الفيليين يتطلب خطوات عملية تتجاوز الشعارات، تبدأ بالاعتراف الرسمي الكامل بمظلوميتهم، ومعالجة ملفات الجنسية والمفقودين والممتلكات بصورة عادلة ومنصفة. كما دعت إلى إدراج تاريخ الكرد الفيليين ضمن المناهج الدراسية، وتعزيز حضورهم الثقافي والإعلامي والسياسي على كافة الاصعدة.