إعادة إنتاج النظرة الأبوية في اللغة والفن الشعبي
غالباً ما تعيد الأغاني والأدب الشعبي إنتاج المفاهيم المناهضة للمرأة تحت غطاء الفكاهة أو المديح؛ وهي نظرة تُعرف المرأة الأرملة فقط في سياق علاقتها بالرجل، مما يساهم في تكريس الصور النمطية الأبوية وجعلها تبدو أمراً طبيعياً ومألوفًاً.
سارة بورخزري
كرماشان ـ في ظل النظام الأبوي الذي يعيد تشكيل دلالات المفردات، تُستخدم عبارة "المرأة الأرملة" لوصف امرأة فقدت زوجها، وتُحمَّل هذه الصفة في الثقافة الذكورية دلالات تتجاوز حالتها الاجتماعية.
كلمتي "امرأة" و"فتاة" في اللغة مجرد إشارة إلى الجنس المؤنث؛ ولكن في الثقافة الذكورية، تكتسب هذه المفردات دلالات ومعانٍ مختلفة فـ "الفتاة" في هذه الثقافة تعني العذراء أي كائن لا يزال تحت تصرف العائلة، وتُعرّف قيمتها في الحفاظ على عذريتها، وفي المقابل، فإن "المرأة" هي من تزوجت وفقدت عذريتها وأصبحت في خدمة شخص يُدعى الزوج.
وتقول فريدة. خ، وهي صحفية في كرماشان شرق كردستان أن الأرملة في المجتمع الأبوي تُعتبر امرأة لا ملجأ لها ولا حامي؛ و"الاعتقاد السائد بين الكثير من الرجال، هو أن كون المرأة أرملة يمثل أعلى درجات البؤس والشقاء لها، والآن، تخيل أن هذه الوصمة المحظورة ترتقي فجأة في عمل يُفترض أنه فني إلى مرتبة المديح والثناء".
وتعتقد أن هذا التناقض الصارخ "يطرح أمامنا سؤالاً جوهرياً: لماذا يجب على كلمة ارتبطت دائماً بالتحقير والإقصاء أن تظهر فجأة في مقام التمجيد؟ الإجابة واضحة؛ هذا المديح الظاهري ليس سوى انعكاس للنظرة السلعية والأداتية للأرملة، إن النظام الأبوي، من خلال استغلال المفردات المناهضة للمرأة ولكن في قالب جميل وشاعري؛ يسعى إلى تمهيد الأرضية لاستغلال هؤلاء النساء".
وأشارت إلى أنه "إذا نظرنا إلى محتوى العديد من الأشعار التي كُتبت وخُوطبت بها الأرملة، سنجد آثاراً عميقة للرؤى الأبوية في طبقات مفرداتها، فعلى سبيل المثال، سمعت في إحدى القصائد وصفاً للمرأة الأرملة بأنها "مستعملة"، وتشبيهاً لها بحديقة بلا بستاني يمكن لأي شخص أن يسرق من ثمارها، وكانت هذه الجمل تُلقى بنبرة ساخرة ومضحكة، لكنها في الواقع كانت تعيد إنتاج صورة مهينة ومناهضة للمرأة. إن مثل هذه المحتويات لا تستحق النقد الجاد فحسب، بل يجب أيضاً التعامل بكل جدية وحزم مع كُتّابها ومغنيها".
عندما تختبئ كراهية النساء في لغة الحياة اليومية
إن أحد أساليب ترسيخ النظام الأبوي هو تكرار الرؤى المناهضة للمرأة في لغة الحياة اليومية واللغة العامية؛ وهي عملية تحول اللغة إلى أداة لإعادة إنتاج التمييز وصياغة الثقافة الجمعية. إن العديد من المفردات، والأشعار، والنصوص المناهضة للمرأة يتم إعادة نشرها في الفضاء الافتراضي ووسائل الإعلام دون أي نقد أو مراجعة، وغالباً ما تكون هذه النظرة التحقيرية خفية ومخادعة لدرجة أن الكثير من النساء أنفسهن لا يلاحظنها، ويشاركن دون قصد في إعادة إنتاجها؛ ونتيجة لذلك، يتم تطبيع الصور النمطية الأبوية وترسيخها تدريجياً.
تقول آرميتا ياري (اسم مستعار)، 28 عاماً "في الحقيقة، كنا نستمع دائماً لمثل هذه الأغاني في السيارة، بل كنا نرقص ونمرح عليها؛ مثل أغنية "المرأة الأرملة" الشهيرة، لكنني لم أفكر قط بأن هناك مثل هذه الأفكار الكامنة وراء هذه الأغاني، كانت الموسيقى بالنسبة لي دائماً وسيلة للفرح والترفيه، وليست انعكاساً لنظرة مناهضة للمرأة، والآن فقط أدركت أن العديد من الجمل الموجهة ضد النساء قد أخذت مكانها في حياتنا اليومية بمهارة فائقة، لدرجة أننا لا نلاحظها بأنفسنا، بل ونشارك أيضاً في إعادة نشرها".
وتُظهر هذه الأقوال إلى أي مدى تغيب المعرفة عن النساء أنفسهن بشأن الكثير من السلوكيات المناهضة للمرأة، ليعيدوا إنتاجها كأمر طبيعي أو اعتيادي.
تقول خبات. ق، وهي تغني في حفلات في كرماشان "الأغاني التي أؤديها في حفلات الزفاف حول المرأة الأرملة تحمل طابعاً فكاهياً محضاً، وهدفها إضفاء المزيد من البهجة. الحقيقة هي أنه في النظرة العامة، تُظهر المرأة الأرملة في المجتمع دلالاً واهتماماً أكبر، لأنها تبحث مجدداً عن شريك وتود العثور على زوج جديد في أسرع وقت ممكن، ولهذا السبب، ترتدي هذه النساء عادةً ملابس جميلة، ويعتنين بمظهرهن أكثر، ويتعاملن مع الرجال بلطف أكبر، حتى يأخذهن أحدهم في النهاية تحت جناح رعايته ولا يبقين بلا حامٍ في المجتمع".
ويُثبت حديثها أن النظرة السائدة للأرامل تختزلهن في كونهن نساء يبحثن عن رجل بديل، وبالتالي يجعلهن ذلك عرضة للسخرية؛ وهو تصور تكرر كثيراً لدرجة أن بعض النساء أنفسهن قد تقبّلنه.
وتوضح النسوية غلوريا جين واتكينز، المعروفة بـ "بيل هوكس"، في كتابها "النسوية للجميع" أن النظام الأبوي لا يشمل الرجال وحدهم، بل إنه يدفع النساء أيضاً إلى إعادة إنتاج الصور النمطية المناهضة للمرأة عبر لغته وعقليته، وفي ظل هذه النظرة، تُختزل المرأة الأرملة في صورة امرأة بلا حامٍ، ويُعرّف كيانها وهويتها فقط في سياق علاقتها بالرجل.