رغم المصادقة على مشروع قانون المهنة لماذا يتواصل إضراب المحامين في المغرب؟
يتواصل الجدل حول مشروع قانون مهنة المحاماة في المغرب رغم المصادقة البرلمانية، بين تمسك الحكومة باعتباره خطوة إصلاحية واعتراض هيئات المحامين التي ترى فيه مساساً باستقلالية المهنة، فيما يترقّب الجميع قرار المحكمة الدستورية الحاسم.
حنان حارت
المغرب ـ لم ينه تصويت مجلس النواب المغربي، الذي أقر مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة بأغلبية 85 صوتاً مقابل معارضة 35 نائباً، منذ ما يقارب الأسبوعين، الجدل حول النص. فبعد إحالته إلى المحكمة الدستورية، يترقب المحامون والمحاميات قرارها بشأن الطعون المقدمة ضد عدد من مقتضياته، بينما تتواصل الاحتجاجات والإضرابات اعتراضاً على ما يعتبرونه مساساً باستقلالية المهنة.
لفهم أسباب استمرار هذا الجدل، تبرز تجربة المحامية والبرلمانية المغربية لبنى الصغيري، التي وجدت نفسها تناقش مشروع قانون لا يخص فئة مهنية بعيدة عنها، بل ينظم المهنة التي تمارسها يومياً.
وبين قبة البرلمان ورداء المحاماة، جمعت بين دورين؛ نائبة شاركت في مناقشة المشروع والتصويت عليه، ومحامية تدافع عما تعتبره الضمانات الأساسية لاستقلال مهنة الدفاع.
ومن موقعها كعضوة في لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، واكبت لبنى الصغيري مختلف مراحل مناقشة المشروع منذ إحالته على اللجنة إلى حين التصويت عليه بعد عودته من مجلس المستشارين.
وتقول إن مشاركتها لم تكن استثنائية، بل جاءت ضمن حضور نسائي فاعل داخل لجنة العدل والتشريع، موضحة أن برلمانيات من الأغلبية والمعارضة، وبينهن محاميات، شاركن في مناقشة مختلف مواد المشروع وأسهمن في إثراء النقاش من خلال خبراتهن القانونية وانتماءاتهن السياسية.
وتؤكد أن حضور البرلمانيات لم يكن شكلياً، بل أسهم في مناقشة مختلف مقتضيات المشروع، معربة عن رضاها عن الدور الذي قامت به خلال هذه المرحلة، باعتبارها نائبة برلمانية ومحامية شاركت في مناقشة قانون يمس المهنة التي تنتمي إليها.
وترى لبنى الصغيري أن استمرار إضراب المحامين بعد المصادقة البرلمانية لا يعكس رفضاً لمبدأ إصلاح مهنة المحاماة، وإنما يعبر عن اعتراض على الطريقة التي أُعد بها المشروع ومضمونه، قائلة إن النص لم يأخذ حقه الكافي في النقاش، معتبرة أن المقاربة التشاركية لم تحترم بالشكل الكافي، وأن هيئات المحامين، بصفتها المعنية مباشرة بتنظيم المهنة، لم تشرك بما يكفي في إعداد المشروع.
وتوضح أن جوهر الخلاف يتعلق باستقلالية مهنة المحاماة، ولا سيما مبدأ التنظيم الذاتي، الذي يمنح هيئات المحامين صلاحية تدبير شؤون المهنة بصورة مستقلة. وترى أن بعض مقتضيات المشروع تمنح جهات أخرى صلاحيات أوسع، وهو ما تعتبره هيئات المحامين مساسا باستقلالية المهنة.
"قوانين تثير الجدل حول حرية التعبير"
وتشير إلى أن المادة 50 من المشروع تثير، من وجهة نظرها، مخاوف تتعلق بحرية المحامي في التعبير عن آرائه بشأن القضايا المرتبطة بالدفاع والحقوق والحريات، فيما تثير المادة 77 جدلاً بشأن الضمانات الممنوحة للمحامي أثناء المرافعة، إلى جانب مقتضيات أخرى تتعلق بدور النقيب والعلاقة بين مؤسسات المهنة والسلطات المختصة.
ورغم انتقادها عدداً من مقتضيات المشروع، ترى لبنى الصغيري أنه يتضمن مكتسباً جديداً وجيداً، يتمثل في إقرار تمثيلية للنساء داخل المجالس المهنية. لكنها تعتبر، في المقابل، أن "النص لا يراعي الجندرة"، موضحة أن عدداً من مواده ما زال يعتمد صياغات قانونية بصيغة المذكر، وهو ما ترى أنه لا يعكس الحضور المتزايد للنساء داخل مهنة المحاماة، مضيفة أن تعزيز تمثيلية النساء خطوة إيجابية، لكنها تظل محدودة في انتظار تحقيق المناصفة داخل مؤسسات المهنة.
وتؤكد أن إحالة المشروع إلى المحكمة الدستورية تعني أن النقاش القانوني لم يحسم بعد، قائلة إن "الأمل ما زال قائماً، لأن المحكمة الدستورية ستبت في المشروع، والمسار القانوني لم ينته بعد".
وأوضحت أن المحكمة طلبت ملاحظات كتابية من الجهات المعنية قبل البت في الطعون، معربة عن أملها في أن يسهم قرارها في معالجة المقتضيات التي يطعن المحامون والمحاميات في دستوريتها.
وبين تجربتها داخل البرلمان وممارستها اليومية للمحاماة، ترى لبنى الصغيري أن إصلاح منظومة العدالة يظل هدفاً ضرورياً، لكنه ينبغي، في نظرها، أن يحافظ في الوقت نفسه على استقلالية مهنة الدفاع، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لضمان حق المتقاضين في محاكمة عادلة.
مناشدات لضمان تمثيل أكثر إنصافاً للنساء
وفي المقابل، تؤكد وزارة العدل أن مشروع القانون يندرج ضمن ورش إصلاح منظومة العدالة، ويهدف إلى تحديث الإطار القانوني المنظم لمهنة المحاماة، وتعزيز دورها داخل المنظومة القضائية بما يواكب التحولات التي يشهدها القطاع. كما تشدد الوزارة أن المشروع جاء ثمرة مسار تشاوري، ويتضمن مستجدات تروم تعزيز حكامة المهنة، وتطوير التدريب، وتقوية ضمانات الدفاع، إلى جانب تعزيز تمثيلية النساء داخل المجالس المهنية.
وبين تمسك الحكومة بالمشروع باعتباره خطوة في مسار إصلاح العدالة، وإصرار هيئات المحامين على مواصلة احتجاجاتها في انتظار قرار المحكمة الدستورية، يبقى مشروع قانون مهنة المحاماة مفتوحاً على نقاش يتجاوز تفاصيل مواده، ليطرح سؤالاً أوسع حول كيفية التوفيق بين تحديث المهنة والحفاظ على استقلاليتها، وضمان تمثيل أكثر إنصافاً للنساء داخل مؤسساتها.