من معاناة الميراث إلى الدفاع عن حقوق المزارعات في صعيد مصر

لم تكن أسماء مهران تتخيل أن تجربتها الشخصية مع الميراث ستتحول يوماً إلى قضية تدافع عنها، وأن تصبح صوتاً لعشرات النساء اللواتي يواجهن المصير نفسه في قرى صعيد مصر.

إيمان سمير علي

مصر ـ بعد وفاة والدها، وجدت أسماء مهران نفسها أمام نزاع عائلي حول الميراث، لتكتشف أن الطريق إلى الحصول على حقها في الأرض الزراعية لم يكن سهلاً، لم تكن المشكلة قانونية بقدر ما كانت اجتماعية، إذ ما زالت بعض العادات تنظر إلى مطالبة المرأة بحقها في الميراث باعتبارها خروجاً على التقاليد، حتى وإن كان هذا الحق يكفله القانون.

تقول أسماء مهران إن والدتها كانت الداعم الأول لها، بعدما عايشت هي الأخرى تعقيدات النزاع على الميراث، لكن المجتمع المحيط لم يكن بالقدر نفسه من الدعم، فقد واجهت انتقادات واتهامات بأنها تشجع النساء على الوقوف في وجه أسرهن، بل إن بعض النساء الكبيرات في السن اعتبرن أن حديثها عن حقوق المرأة قد يؤدي إلى تفكك الأسرة وإثارة الخلافات بين الأشقاء.

 

مبادرة لدعم المزارعات

ورغم ذلك، لم تتراجع. ففي كانون الثاني/يناير 2025، اجتمعت مع مجموعة من الشباب والشابات لتأسيس مبادرة "ست أمان"، بهدف دعم المزارعات اللواتي يُحرمن من حقهن في ملكية الأراضي الزراعية أو يتعرضن للعنف والتمييز أثناء العمل في الزراعة.

بدأت المبادرة بفريق صغير لا يتجاوز خمسة أفراد، وكانت أولى خطواتها تنظيم جلسات استماع في قرية "البلايزة" في أسيوط. وهناك، استمعت إلى قصص نساء لم يمتلكن الشجاعة للمطالبة بحقوقهن خوفاً من خسارة أسرهن أو التعرض للنبذ الاجتماعي.

وخلال هذه الجلسات، أدركت أن المشكلة لا تتوقف عند حرمان المرأة من الميراث، بل تمتد إلى تفاصيل حياتها اليومية في الحقل. فكثير من المزارعات يتعرضن للمضايقات أثناء العمل، كما يواجهن صعوبات في الحصول على الخدمات الزراعية، بينما تُمنح الأولوية للرجال في صرف مستلزمات الإنتاج، رغم أن النساء يعملن في الزراعة ويعتمدن عليها كمصدر رئيسي للدخل.

ولمواجهة هذه التحديات، وسعت أسماء مهران نطاق عمل المبادرة، فنظمت جلسات توعية قانونية، وحملات ميدانية، ولقاءات مع مقدمي الخدمات الزراعية، للتأكيد على حق المرأة في الحصول على الخدمات دون تمييز.

ومع تصاعد تأثير التغيرات المناخية على الزراعة، لاحظت أن البرامج التدريبية الخاصة بالتكيف المناخي تستهدف الرجال في الغالب، بينما تغيب عنها النساء، لذلك أضافت للمبادرة محوراً جديداً لتدريب المزارعات على التقنيات الزراعية الحديثة، مثل الزراعة على المصاطب وإعادة تدوير المخلفات الزراعية والحيوانية، بما يساعدهن على حماية محاصيلهن وتحسين إنتاجهن.

ومن بين أكثر التجارب التي تركت أثراً في نفسها، قصة امرأة ساعدتها المبادرة في استرداد حقها القانوني في أرضها الزراعية، وبعد محاولات للصلح، حصلت على الدعم القانوني اللازم، وتمكنت من كسب الدعوى واستعادة أرضها، رغم ما تعرضت له لاحقاً من تهديدات بسبب مطالبتها بحقها. وتعتبر أسماء مهران هذه القضية دليلاً على أن المعرفة القانونية والدعم المجتمعي يمكن أن يحدثا تغييراً حقيقياً في حياة النساء.

 

الوعي والإصرار أولى الخطوات

أما على المستوى الشخصي، فقد استطاعت أسماء مهران إنهاء إجراءات ملكية أرضها الزراعية، وأصبحت تمتلك عقد الملكية الرسمي إلى جانب بطاقة الحيازة الزراعية، وتصف هذه الخطوة بأنها كانت نقطة تحول في حياتها، لأنها منحتها الثقة بأن الحقوق يمكن استردادها إذا اقترنت بالوعي والإصرار.

واليوم، تحلم بأن تتحول "ست أمان" إلى مؤسسة متخصصة تخدم المزارعات في مختلف مدن صعيد مصر، وتوفر لهن الدعم القانوني والاجتماعي والتنموي، مؤكدة أن رسالتها لم تكن يوماً الدعوة إلى النزاع، بل إلى تمكين النساء من الحصول على حقوقهن المشروعة والعمل في أراضيهن بأمان وكرامة.

وتختتم أسماء مهران رحلتها برسالة تقول فيها "نحن لا نبحث عن المشكلات، بل نبحث عن حقوقنا. نريد أن نمتلك أرضنا، وأن نزرعها، وأن نعمل فيها بأمان، لأن المرأة المزارعة شريك أساسي في التنمية الزراعية، ومن حقها أن تحصل على الفرصة والاعتراف والعدالة".