بعد عام على إقرار المدونة الجعفرية... حقوق المرأة في صلب الجدل

منذ إقرار التعديل، أثارت مدونة الجعفرية جدلاً واسعاً بشأن تداعياتها المحتملة على الأسرة العراقية، ولا سيما في ملفات الزواج والحضانة والطلاق والتفريق وحقوق المرأة والطفل.

تمني السروي

بغداد ـ تحل اليوم الخميس 27 آب/أغسطس 2026، الذكرى السنوية لإقرار مجلس النواب العراقي مدونة الأحوال الشخصية الجعفرية، التي جاءت ضمن تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، وأتاحت للعراقيين من أتباع المذهب الجعفري اختيار تطبيق أحكام المدونة على عقود الزواج.

في هذا الإطار، تحدثت المحامية وعضوة تحالف 188 للدفاع عن قانون الأحوال الشخصية مروة عبد الرضى، مستعرضة أبرز ملاحظاتها وانتقاداتها بشأن التعديل والمدونة الجعفرية، وما تراه من إشكالات قد تظهر عند التطبيق.

 

قانون الأحوال الشخصية... ضمانات للأسرة

قالت مروة عبد الرضى إن قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 كان من أبرز قوانين الأحوال الشخصية في المنطقة، لما وفره من ضمانات في قضايا الزواج والطلاق والحضانة وحقوق أفراد الأسرة.

وأضافت أن تعديل القانون وإقرار مدونة الأحوال الشخصية الجعفرية أثارا، من وجهة نظرها، جملة من الإشكالات المتعلقة بحقوق الزوجة والأبناء وآليات تطبيق أحكام المدونة.

وأوضحت أن من أبرز الإشكالات يتمثل في حق اختيار تطبيق أحكام المدونة، معتبرة أن القرار أصبح عملياً بيد الزوج، رغم أن عقد الزواج يقوم على طرفين، وأن أثر هذا القرار يمتد إلى الزوجة والأبناء أيضاً.

وأشارت إلى وجود اختلاف في آلية إبلاغ الزوجة بقرار الانتقال إلى المدونة بين المحاكم، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى انتقال الزوج إلى أحكام المدونة من دون أن يكون للزوجة دور فعلي في القرار.

 

الزواج المبكر... مخاوف بشأن سن الزواج

وتعد قضية الزواج المبكر، بحسب مروة عبد الرضى، من أبرز الملفات المثيرة للقلق، إذ ترى أن عدم تثبيت سن واضح للزواج ضمن أحكام المدونة قد يفتح المجال أمام زيجات في أعمار صغيرة.

وأوضحت أن قانون الأحوال الشخصية السابق كان يحدد سن الزواج بـ18 عاماً، مع استثناءات تسمح بالزواج في سن 15 عاماً ضمن شروط محددة، فيما حددت المدونة الجعفرية سن الزواج عند سن البلوغ، محذرةً من أن ذلك، إلى جانب ضعف الضوابط المتعلقة بالزواج خارج المحكمة، قد يوسع مساحة التجاوز ويتيح زواج القاصرين في أعمار مبكرة.

وترى أن اشتراط موافقة الفتاة لا يحسم المشكلة، خصوصاً في الأعمار الصغيرة، إذ يبقى السؤال حول مدى كون الموافقة حرة وحقيقية وليست نتيجة ضغط عائلي.

وقالت إن المدونة، وفق قراءتها، لا تضع آلية واضحة تلزم رجل الدين بالتأكد مباشرة من موافقة الفتاة، ما قد يجعل الموافقة شكلية في بعض الحالات.

 

الحضانة... مصلحة الطفل أولاً

وفي ملف الحضانة، قالت إن الإشكالية الأساسية تكمن في ربط استمرار حضانة الأم بعدم زواجها، بحيث تنتقل الحضانة إلى الأب عند زواجها.

وأكدت أن المعيار الذي ينبغي أن يحكم الحضانة هو مصلحة الطفل، وليس الحالة الزوجية للأم، موضحة أن ذلك لا يعني منح الحضانة للأم في جميع الحالات، إذ يمكن أن تكون مصلحة الطفل مع الأب أيضاً.

وأضافت أن قانون الأحوال الشخصية السابق كان يتيح للقضاء نقل الحضانة من الأم إلى الأب عندما تقتضي مصلحة المحضون ذلك.

وشددت مروة عبد الرضى على ضرورة تفعيل دور الباحث الاجتماعي والفحوص النفسية في قضايا الحضانة، معتبرة أن الإجراءات ينبغي أن تتجاوز الجانب الشكلي إلى تقييم حقيقي لوضع الطفل وعلاقته بوالديه.

ودعت إلى تشكيل لجان متخصصة قادرة على إجراء تقييم اجتماعي ونفسي شامل، بما يجعل قرار الحضانة قائماً على مصلحة الطفل الفعلية.

 

الأثر الرجعي وتفاوت الأحكام

وحذرت مروة عبد الرضى من أن تطبيق الأحكام الجديدة على أوضاع أو عقود سابقة قد يؤدي إلى تعقيدات قانونية، فضلاً عن تفاوت الأحكام بين المحاكم تبعاً لاختلاف القاضي والمرجعية الفقهية.

وترى أن هذا التفاوت قد يؤدي إلى حصول نساء في قضايا متشابهة على أحكام مختلفة، بحسب المحكمة التي تنظر في القضية.

وربطت بين تداعيات المدونة وملف العنف الأسري، محذرة من أن تضييق الأدوات القانونية المتاحة للمرأة لإنهاء العلاقة الزوجية قد يترك بعض النساء في علاقات عنيفة.

وقالت إن التغييرات المتعلقة بالتفريق تثير تساؤلات بشأن دور الحاكم الشرعي والجهة التي ستتولى تقييم الضرر والعنف واتخاذ القرار بشأن استمرار العلاقة الزوجية أو إنهائها.

وأشارت إلى أن الانتقادات لا تقتصر على الحضانة والتفريق، بل تشمل أيضاً حقوقاً مالية وقانونية مثل النفقة والتعويض عن الطلاق التعسفي، مبينة أن بعض هذه الضمانات تراجعت أو ألغيت، فيما قد تحد بعض التفسيرات القضائية من استفادة المرأة من الحقوق الواردة في نصوص المدونة.

وبعد عام على إقرار المدونة الجعفرية، ترى المحامية مروة عبد الرضى أن الجدل لم ينتهِ، بل انتقل إلى مرحلة تقييم آثار التطبيق على الأسرة العراقية.

وتتركز أبرز التساؤلات، بحسبها، حول حماية حقوق المرأة والطفل، ومصلحة المحضون، وضمانات الزواج، ولا سيما الزواج المبكر، فضلاً عن قدرة المرأة على إنهاء العلاقة الزوجية في حالات العنف والضرر.

وتخلص إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في معرفة ما إذا كان التعديل قد عزز حماية الأسرة فعلاً، أم أنه أوجد إشكالات جديدة تستدعي المعالجة التشريعية.