العنف الرقمي يتصاعد في تركيا ومحامية تحذّر: الصمت يمنح الجناة حصانة
أكدت المحامية برفين أوزان على أن صمت النساء المعرّضات للعنف الرقمي في تركيا يمنح الجناة جرأة أكبر على التمادي، مشددة على ضرورة التوجّه إلى نقابة المحامين وطلب الدعم القانوني فوراً.
مميهان هلبين زيدان
بدليس ـ أصبح العنف الرقمي (الإلكتروني)، وهو أحد أشكال العنف الممارس ضد النساء باستخدام الوسائل التكنولوجية، يشكل خطراً متزايداً على النساء مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى الحياة اليومية.
يؤدي غياب الآليات اللازمة للتعامل مع هذه الظاهرة إلى استمرار العنف الرقمي كنوع من العنف الممنهج في حياة النساء، وكانت وكالتنا قد سلطت الضوء على معاناة الطالبة الجامعية زينب آكتاش (اسم مستعار)، حيث أظهرت قصتها كيف تؤثر هذه الأشكال من العنف بشكل خاص على الشابات.

وقدمت المحامية برفين أوزان، من لجنة المرأة التابعة لفرع وان في جمعية الحقوقيين من أجل الحرية بشمال كردستان، تقييمات حول تأثير العنف الرقمي على حياة النساء والعقوبات القانونية المتعلقة به. مشيرةً إلى أن العنف الرقمي بات أكثر انتشاراً نتيجة تطور بيئة الإنترنت والتحول الرقمي، مؤكدةً أن العنف الرقمي يُعد نوعاً متعدد الأبعاد من العنف، مشيرةً إلى أن استمرار هذه الانتهاكات يزيد من خطر تعرض النساء والأطفال لأشكال أخرى من العنف أيضاً.
"إعادة تداول المحتوى يجعل نسيان الضحية أكثر صعوبة"
وقالت إن التطور التكنولوجي لم يقتصر على الإعجابات والمتابعات فقط، بل شمل أيضاً استخدام الحسابات الوهمية، وإخفاء الهوية، واستعمال برامج الـVPN، مما يجعل تعقب الجناة والقبض عليهم أكثر صعوبة.
وأضافت "يمكن كذلك إرسال هذه المنشورات إلى عدد كبير من الأشخاص، كما يمكن أن تصبح دائمة على الإنترنت، مما يجعل نسيان الضحية أكثر صعوبة، ومع تطور التكنولوجيا، ظهر شكل من العنف يُعرف باسم الإباحية الانتقامية، إلى جانب مفاهيم أخرى مثل المطاردة الإلكترونية، والعنف الجنسي عبر الإنترنت، وخطاب الكراهية الإلكتروني، وكراهية النساء على الإنترنت، والتحريض ضد المرأة، كما يستطيع الجناة مواصلة هذا الشكل من العنف دون أن يتم القبض عليهم".
وتابعت "مع تطور الذكاء الاصطناعي، وظهور ما يُعرف بتقنية الـ (ديب فيك) أو المحتوى المزيف المُنتج بالذكاء الاصطناعي، أصبح بالإمكان تركيب صور وأصوات أشخاص حقيقيين فوق مقاطع أخرى لإنتاج فيديوهات جديدة، وهكذا قد تظهر تصريحات أو أفعال لم تحدث أصلاً، وفي مواجهة ذلك، قد تتعرض الضحايا أيضاً لجرائم مثل التحرش، والاحتيال، والتهديد".
"50 بالمئة من الأطفال يتعرضون للتنمر الإلكتروني"
وأشارت برفين أوزان إلى أن البيئة الرقمية قد تشهد ظهور أشكال مختلفة من العنف، مثل مقاطع الفيديو المُتلاعب بها، والملاحقة الإلكترونية، والإباحية الانتقامية، بالإضافة إلى ما يُعرف بـ "التحيز في الذكاء الاصطناعي" (AI Bias).
وأضافت أنه وفقاً لدراسة صادرة عن مركز الأبحاث المشترك التابع للاتحاد الأوروبي، فإن 50 بالمئة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عاماً يتعرضون للتنمر الإلكتروني، كما أوضحت أن الصور والمقاطع المعتمدة على المحتوى البصري تُعتبر ضمن أشكال الاستغلال الجنسي للأطفال والاعتداء الرقمي.
لا يوجد قانون خاص بالإباحية الانتقامية في تركيا
ولفتت برفين أوزان إلى أن العديد من دول العالم وضعت قوانين خاصة لمواجهة ما يُعرف بالإباحية الانتقامية، موضحةً أن الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وإسرائيل تمتلك تشريعات مخصصة لهذا النوع من الجرائم "في تركيا، لا يوجد حتى الآن قانون خاص بهذا الشأن، وغالباً ما يتم التعامل مع هذه الحالات من خلال القوانين الموجودة ضمن قانون العقوبات التركي، أو عبر تعديل القوانين الحالية أو استحداث تعريفات جديدة للجرائم، وعلى وجه الخصوص، هناك المادة 134 من قانون العقوبات التركي التي تتناول جريمة انتهاك خصوصية الحياة الخاصة، ويُعد استخدام الوسائل التكنولوجية لتسهيل ارتكاب هذه الجريمة ظرفاً مشدداً للعقوبة، لكن هذه الجريمة لا تُنظم بشكل مستقل تماماً، بل تتداخل مع جرائم أخرى في إطار مشترك".
وأعطت مثالاً حول ذلك "حتى لو تم تسجيل مقطع فيديو ذي طابع جنسي بموافقة الشخص، فإن نشره أو توزيعه دون موافقة الضحية يُعد جريمة، ويمكن تقييم ذلك أيضاً ضمن إطار المادة 134. إلى جانب ذلك، توجد جرائم أخرى مثل نشر البيانات الشخصية أو الحصول عليها أو تسجيلها بشكل غير قانوني".
سياسة الإفلات من العقاب تُفرغ الأحكام من معناها
وتحدثت المحامية كذلك عن العقوبات المنصوص عليها في القوانين التركية "وفقاً للفقرة الثانية من المادة 134 من قانون العقوبات التركي، إذا تم انتهاك خصوصية الحياة الخاصة باستخدام التسهيلات التي توفرها التكنولوجيا، فقد يُحكم على الجاني بالسجن من سنتين إلى خمس سنوات، لكن للأسف، وبسبب التعديلات الحالية في قوانين تنفيذ العقوبات، يمكن للجاني أن يدخل السجن ويخرج منه خلال فترة قصيرة جداً، وهذا يُعد شكلاً من أشكال سياسة الإفلات من العقاب، لأن العقوبة لا تُنفذ بالكامل داخل المؤسسات العقابية".
وأوضحت أنه "إذا تم تصوير اعتداء جنسي ضمن ما يسمى بالإباحية الانتقامية، ثم جرى تسريب تلك المقاطع، فإن نوع الجريمة والعقوبة يختلفان بحسب محتوى الفيديو وطبيعة الواقعة، وقد يشمل ذلك جرائم مثل الاستغلال الجنسي أو إقامة علاقة جنسية مع قاصر، وبالتالي يمكن أن يواجه الجاني عقوبات متعددة على جرائم مختلفة".
"يمكن حظر المحتويات"
وأكدت برفين أوزان أن حالات التحرش في البيئة الرقمية قد تكون أحياناً أكثر صدمة وتأثيراً من التحرش الجسدي، بسبب كثافتها وطابعها الدائم، موضحةً أنه من الممكن الحد من هذا الانتشار الدائم للمحتوى من خلال حظر الوصول إليه، وذلك استناداً إلى القانون رقم 5651 المتعلق بتنظيم النشر عبر الإنترنت.
وقالت أنه يمكن للضحية أن تتقدم بطلب إلى المحكمة لحجب هذا المحتوى "عندما نتحدث عن العنف الجسدي، فإن ما يتبادر إلى الذهن عادة هو المواجهة المباشرة بين الجاني والضحية فقط، لكن في حالة العنف الرقمي، فإن الضحية قد لا تتعرض للعنف من الجاني وحده، بل قد تواجه أيضاً عنفاً جسدياً من المحيطين بها، كالأب أو الأخ أو حتى الأم".
وبينت أنه من خلال الدراسات التي أُجريت مؤخراً "نلاحظ أن العنف الاقتصادي والنفسي والجسدي والجنسي لا يحدث في بيئة واحدة فقط، بل يسبقه غالباً عنف رقمي. يبدأ الأمر في الفضاء الإلكتروني، ثم يستمر لاحقاً في الحياة الواقعية. هناك نوع من الحلقة المتواصلة بينهما، لذلك لا يمكننا تقديم أرقام دقيقة أو بيانات واضحة حتى الآن، خاصة أنه لا توجد تقارير شاملة متوفرة بهذا الشأن، لكننا نرى أن العنف الرقمي قد يكون المرحلة الأولى التي تتبعها لاحقاً أشكال العنف الجسدي أو الواقعي".
"صمت الضحية يمنح الجاني مزيداً من الجرأة"
وتحدثت عن الخطوات التي يجب اتخاذها عند التعرض للعنف الرقمي "من الضروري جداً أن تحصل الضحايا على دعم مهني متخصص، وهذا لا يعني بالضرورة دفع تكاليف لتوكيل محامٍ خاص، إذ توجد آليات للتعيين التلقائي للمحامين ضمن قانون الإجراءات الجنائية، ويمكن طلب دعم قانوني من خلالها، كما يمكن التوجه إلى نقابات المحامين للحصول على المساعدة القضائية، وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة لنا".
واختتمت المحامية برفين أوزان حديثها بالتأكيد على أن "الضحايا غالباً ما يشعرن بالخوف أو يلزمن الصمت، لكن هذا الصمت يشجع الجناة ويمنحهم مزيداً من الجرأة، خاصة عندما لا يتعرضون لأي عقاب، وفي بعض الأحيان تتردد النساء في الإبلاغ أو تقديم شكوى بسبب الضغوط الاجتماعية والخوف من الفضيحة، ومع ذلك، يمكن إصدار قرارات بسرية الملفات القضائية، ومن خلال هذه الإجراءات، وبالاستعانة بمحامين أو بالحصول على دعم مهني مختلف، تستطيع النساء تجاوز هذه المرحلة بشكل أكثر أماناً وراحة".