عندما تصمد الأعشاش... حكاية التعايش والقداسة في كرماشان

بين حرب صامتة يشنها تمدد العمران وتراجع مستمر للطبيعة، تبرز قرية في قلب كرماشان ترفض الاستسلام حيث صمدت طيور اللقلق بكل بسالة، معلنةً سيادتها على معاقلها وبناء أعشاشها في تحدٍ صارخ للتدمير البيئي.

سارة بورخزري

كرماشان ـ في شتى بقاع الأرض، تجري حرب صامتة بين الطبيعة وتمدد العمران الخانق. فمع كل شبر أرض يستملكه الإنسان لإنشاء مسكنه، تُجبر الحيوانات والأشجار وسائر الكائنات الحية على التقهقر خطوة إلى الوراء. وكأنما أينما وطئت قدم البشر، خفتت زقزقة الطيور، وتلاشت واحات الحياة البرية لتضيق بأصحابها يوماً بعد يوم.

لكن، في مواجهة هذا النمط المتكرر والجشع الذي لا يشبع، وفي قلب كرماشان بشرق كردستان، ثمة قرية لم تستسلم طبيعتها بعد. هناك، تحافظ طيور اللقلق بكل ثبات وبسالة، وعلى عكس تيار تدمير البيئة، على أعشاشها، ليس فوق الأشجار الآيلة للزوال، بل عند قمم أعمدة الكهرباء والرموز البشرية؛ لقد حافظت هذه الطيور، دون أدنى خوف، على روابطها مع هذه البيئة لتذكرنا بأن الأرض لا تنتمي للإنسان وحده، وأن للحياة البرية أيضاً نصيباً محفوظاً في هذا البيت الكبير.

إن قرية "خوشينان عليا" الواقعة على بعد ۳۲ كيلومتراً من مدينة كرماشان، تستضيف العشرات من طيور اللقلق التي حوّلت هذا المكان إلى ملاذ آمن. ومع كل هجرة موسمية، تعود هذه الطيور مجدداً إلى ديارها العريقة لتبدأ دورة الحياة متشابكةً مع التعايش السلمي بين الإنسان والطبيعة.

 

"الحمام تجسيداً ورمزاً للإلهة عشتار"

والأمر المثير للدهشة هو نظرة أهالي القرية إلى هؤلاء الضيوف المجنحين؛ إذ يثمن الناس وجودهم ويحتفون به؛ فالبعض يراهم كائنات مقدسة، والبعض الآخر يرى في حضورهم مصدر خير وبركة وازدهار للقرية، بينما يجلس أطفال القرية كل يوم لمشاهدة هذه الطيور وأعشاشها المهيبة.

ولكن حقاً، لماذا في عالم اعتاد فيه الإنسان تقليدياً على مصارعة الطبيعة، لا يمد أحد في هذه القرية يده بالأذى أو الصيد لهذه الطيور؟

يجب البحث عن الإجابة في الطبقات العميقة للمعتقدات المحلية والجذور التاريخية؛ فاحترام الحيوانات له جذور ضاربة في القدم في ثقافة هذا الإقليم وجغرافيته. وإذا تتبعنا أصل هذه المعتقدات، سنجد أنه حتى في الوثائق والألواح المتبقية من بلاد الرافدين القديمة، حظيت الطيور بمكانة تتجاوز مجرد كونها كائنات عادية؛ فقد كانت حاضرة إلى جانب الآلهة، وتجسيداً ورمزاً لها، بل إن الآلهة أنفسهم كانوا يظهرون أحياناً في هيئة طيور.

على سبيل المثال، كان الحمام تجسيداً ورمزاً للإلهة عشتار (إلهة الحب والخصوبة)، وفي التنقيبات الأثرية، بما في ذلك معبد عشتار في آشور، عُثر حتى على تماثيل من الرصاص للحمام. هذا الرابط القديم بين الطيور وساحة المقدسات، يبدو أنه بقي حاضراً بشكل لا واعي في نسيج الثقافة الشعبية لسكان هذه المنطقة، ويتجلى اليوم في شكل تعايش سلمي ومحترم بين أهالي قرية "خوشينان عليا" وطيور اللقلق؛ وهي سنة راسخة تذكرنا بأنه كلما اقترب الإنسان من الجذور الأصيلة الحامية للطبيعة، تجسد اللطف مع البيئة بشكل أوضح.

 

"انتصار الحياة البرية بأجنحة مفرودة تحاكي الأفق"

إن نظرة الاحترام والتقديس التي يبديها سكان قرية "خوشينان" في كرماشان لطيور اللقلق نابعة من هذه المعتقدات القديمة بالذات؛ وهو معتقد حافظ عليه الأهالي وتوارثوه جيلاً بعد جيل دون معرفة منشئه الأول، وسينقلونه إلى الأجيال القادمة ليؤكدوا أن حِمى أعشاش هذه الطيور بجوار منازلهم يجب أن يُصان دائماً.

وعلى الرغم من أنه في نسيج أعشاش اللقالق في هذه القرية تظهر آثار للمصنوعات البشرية مثل قطع البلاستيك والنايلون، إلا أن الحقيقة الجلية هي أنه حتى مع وجود هيمنة النظام الذي سخر الطبيعة لخدمة الصناعة، فإن الطيور وجذور الأشجار وحتى الطحالب الصغيرة في الغابات هي المالك الحقيقي للأرض.

إن وجود عُش طائر فوق عمود خرساني، أو انبثاق برعم أخضر من شق رصيف قاحل، هو برهان ساطع على أن الطبيعة ستسترد معاقلها ببطء من أسر المادية الصامتة. وكما فعلت لقالق قرية "خوشينان"، ستأتي أسراب أخرى ذات يوم لتبني حواضرها الآمنة فوق قمم الأشجار والمدن على حد سواء، معلنةً انتصار الحياة البرية بأجنحة مفرودة تحاكي الأفق.