مجلس البيئة: مشاريع الطاقة الشمسية في شمال كردستان تهدد النظام البيئي والمجتمع

تتواصل حالة الجدل في شمال كردستان بشأن التوسع في مشاريع محطات الطاقة الشمسية، وسط تصاعد الانتقادات من ناشطين بيئيين يرون أن هذه المشاريع تُنفذ من دون مشاركة حقيقية للمجتمعات المحلية، وعلى حساب النظام البيئي.

مميهان هلبين زيدان

بدليس ـ تواجه طبيعة شمال كردستان تهديدات متزايدة نتيجة تنفيذ مشاريع محطات الطاقة الشمسية (GES)، والطاقة الحرارية الجوفية (JES)، والطاقة الكهرومائية (HES)، إلى جانب مشاريع السدود، في وقت يواصل فيه السكان مقاومة هذه المشاريع دفاعاً عن البيئة وأراضيهم.

في منطقتي وارتو (Gimgim) في محافظة موش، وكاني رش (Kanîreş)، يستمر منذ أكثر من خمسين يوماً اعتصام ومقاومة ضد مشاريع محطات الطاقة الحرارية الجوفية التي تخطط لتنفيذها شركة IGNIS H2 Enerji Üretim A.Ş الأمريكية، كما تتواصل مقاومة أخرى في بلدة بيرخوس (أوفاكيشلا) التابعة لقضاء أهلات في ولاية بدليس، حيث بدأت شركة EKOVIT قبل خمس سنوات العمل على مشروع محطة للطاقة الشمسية.

ويؤكد سكان البلدة أن الأرض المخصصة للمشروع هي أرض مراعي يعتمدون عليها في تربية المواشي، ولذلك يعارضون المشروع، وقد رفع الأهالي دعوى قضائية لإلغاء تقرير تقييم الأثر البيئي (ÇED)، وما تزال القضية منظورة أمام القضاء.

ولكن رغم استمرار الإجراءات القضائية، تواصل الآليات الثقيلة أعمال تجهيز الأرض لتركيب ألواح الطاقة الشمسية، حيث دخل أكثر من عشر آليات إلى المنطقة، بينما يؤكد الأهالي أنهم لا يريدون أي محطة من شأنها الإضرار بأراضيهم، كما يوجّه السكان انتقادات لبلدية بيرخوس، متهمين إياها بدعم الشركة المنفذة للمشروع.

ومنذ سنوات ينظم أهالي بيرخوس فعاليات احتجاجية ضد المشروع، وفي 24 حزيران/يونيو تدخلت قوات الدرك لتفريق المحتجين، وقد فقدت حامل جنينها أثناء التدخل، كما تعرض رجل مسن للضرب ونُقل إلى العناية المركزة.

 

البلدية: المنطقة ليست مرعى بل أرض صخرية

وفي وقت سابق، قال الرئيس المشترك لبلدية بيرخوس إن المشروع يمكن تنفيذه "حتى لو رفضت البلدية"، لأن وزارة البيئة تستطيع منح التراخيص اللازمة "المكان لم يعد أرضاً للرعي، فقد غُيّرت صفته وأصبح أرضاً تابعة للخزينة العامة، وبما أنه أصبح من أملاك الدولة، يمكن الحصول على التراخيص من مديرية أملاك الدولة، حتى لو لم تمنح البلدية موافقتها".

وأشار إلى أن البلدية منحت الترخيص في البداية، ثم تراجعت عنه بعد اعتراضات من قسم من السكان، إلا أنها عادت لاحقاً وغيرت موقفها بعد اجتماعات مع السكان والإدارات المحلية، معتبرةً أن المشروع قد يحقق بعض الفوائد للبلدة.

حتى أنه قال "ذا كانت الأرض غير صالحة للاستغلال وصخرية ومهجورة، فلا نعارض إقامة محطة للطاقة الشمسية عليها، أما إذا كانت مرعى أو مصدر رزق للسكان، فسنعارض ذلك بالتأكيد".

 

المجلس البيئي: محطات الطاقة الشمسية تضر بالنظام البيئي

         


        

من جهتها، فندت ليلى جيته، العضوة في مجلس البيئة بمدينة آمد التصريحات السابقة للمسؤولين وقالت إن مشروع محطة الطاقة الشمسية في بيرخوس سيُلحق الضرر ليس فقط بمناطق معيشة الأهالي، بل بالنظام البيئي بأكمله.

وفي إشارة إلى تدخل قوات الأمن ضد المحتجين قالت "ما حدث هو معاملة تعرض لها القرويون الذين كانوا يدافعون عن أراضيهم ومناطق عيشهم. إننا نرى واقعاً تحمي فيه قوات الأمن شركات رأس المال، بينما تتعاون الدولة وهذه الشركات ضد السكان وحقوقهم ومناطقهم الطبيعية، وهو ما يكشف بوضوح طبيعة هذا التعاون".

ولفتت ليلى جيته الانتباه إلى تزايد مشاريع محطات الطاقة الشمسية (GES) في شمال كردستان خلال السنوات الأخيرة "تُقدم أنظمة الطاقة الشمسية على أنها طاقة نظيفة ومتجددة، ويجري إضفاء صورة بريئة عليها تحت هذا العنوان لكننا لا ننظر فقط إلى نوع الطاقة أو وسيلتها، بل نسأل: لمن هذه الطاقة؟ ومن المستفيد منها؟ ومن هي الجهة التي تقرر إقامة هذا النوع من المشاريع في الطبيعة ومناطق الحياة؟".

الجهة التي تتخذ القرار "ليست ديمقراطية" بحسب وصف محدثتنا والسكان لا يُشركون في آليات اتخاذ القرار، "هذه المشاريع تُنفذ بما يخدم رأس المال والربح واحتياجات الاقتصاد الاستهلاكي لذلك، سواء كانت محطة طاقة شمسية، أو رياح، أو كهرومائية، فإن أي مشروع لا يلبي احتياجات المنطقة، ولا ينسجم مع النظام البيئي، ويضر بمناطق المعيشة، وموائل الحيوانات، والتنوع البيولوجي، ويُنفذ رغم إرادة السكان المحليين، يُعد تدميراً بيئياً وليس مشروعاً بيئياً".

وأضافت أن محطات الطاقة الشمسية أصبحت أحد أشكال الإبادة البيئية (الإيكوسايد) في شمال كردستان "تُقام ألواح شمسية ضخمة، وتمر هذه المشاريع بمراحل إنشاء تستخدم فيها مواد كيميائية تترك آثاراً ضارة على الطبيعة منذ مرحلة البناء، كما أن الدراسات تشير إلى أن هذه المشاريع تؤثر في المناخ المحلي (الميكروكليما)، وقد تتسبب في تغيرات جوية ومناخية، والسؤال هو: هل يُقام هذا المشروع لتلبية احتياجات أهالي بيرخوس من الطاقة؟ الجواب لا، وهل اتُّخذ القرار من خلال عملية ديمقراطية شارك فيها أهالي بيرخوس؟ أيضاً لا، لذلك نستطيع القول إن هذا المشروع ليس أخلاقياً ولا بيئياً".

 

"الإبادة البيئية تقود إلى تدمير اجتماعي"

وأكدت ليلى جيته أن التدمير البيئي يقود أيضاً إلى تدمير اجتماعي، وأن هذه المشاريع تدفع السكان في بعض الأحيان إلى الهجرة القسرية "السكان الذين يُهجَّرون من مناطقهم يواجهون الفقر العميق وفقدان تراثهم الثقافي وإذا كان شمال كردستان قد تضرر في السابق بسبب الحرب والسياسات الأمنية، فإننا نرى اليوم آثار توسع الشركات ورأس المال في المنطقة".

وعندما يُجبر الناس على مغادرة مناطقهم، لا يقتصر الأمر على خسارة المكان، بل "تضيع" أيضاً الذاكرة والهوية والتاريخ الشفهي المتراكم عبر قرون "نحن نتحدث عن معارف شعب لم تجد مكاناً لها في الأدبيات الرسمية أو في القوانين، وقد يؤدي ذلك إلى ضياع أسماء البذور المحلية، ومعارفها، وتاريخها، والقصص المرتبطة بها، كما أن تهجير كبار السن يعني انقطاع نقل هذه المعارف إلى الأجيال الجديدة".

وذكّرت بالقرى التي أُخليت وأُحرقت في تسعينيات القرن الماضي، معتبرةً أن ما كان يُنفذ آنذاك تحت عنوان "السياسات الأمنية" قد تحول اليوم، بحسب وصفها، إلى "سياسة حرب خاصة" تُمارس من خلال تعاون الدولة مع رأس المال والشركات.

 

"النساء في طليعة المقاومة"

وأشارت ليلى جيته إلى النساء اللواتي أوقفن مركبات شركات التعدين في ليجه "إن وقوف امرأة بمنديلها الأبيض وحدها في وجه تلك الآليات هو شكل من أشكال المقاومة قد يعجز عنه كثير من الرجال، فمنذ العصر النيوليتي والمرأة تضحي بحياتها من أجل حماية أشكال الحياة الأخرى؛ من أجل شجرة، أو طائر يحلق بحرية، أو نهر يجري، وهو نموذج يُلهم المجتمع بأسره".

وأضافت أن هناك أيضاً سكاناً في قرية كرفان التابعة لمنطقة سور في آمد/ديار بكر يقاومون مشروعاً للطاقة الشمسية، وأن النساء في القرية يتولين قيادة هذه المقاومة "سنزورهن قريباً، فهن بالفعل من ينسجن خيوط هذه المقاومة، ولا يتراجعن أبداً، ويتمسكن بموقفهن بإصرار كبير، ويقلن: مهما عرضوا علينا من مليارات الدولارات، فلا يمكن شراء هذه الحياة بالمال".

 

"يمكن بناء قاعدة اجتماعية أقوى في مواجهة الإبادة البيئية"

واختتمت ليلى جيته حديثها بالقول "علينا أن نتمسك بالمبادئ، وألا نبتعد عن مفهوم الإدارة المحلية البيئية والمنظور البيئي، كما يجب إنشاء آليات ديمقراطية ومجالس شعبية تتيح للسكان المحليين أن يكونوا أصحاب القرار، وأن يطّلعوا على تفاصيل المشاريع والسياسات والاقتصاد المرتبط بها، ومن خلال ذلك يمكن بناء قاعدة اجتماعية أكثر قوة لمواجهة الإبادة البيئية".