اتحاد الأهالي في إيران بين حماية الطبيعة ومواجهة الاستبداد

كيف يتحول العمل البيئي الطوعي في الأنظمة الاستبدادية إلى فعل مقاومة؟، حيث يُنظر إلى اتحاد الناس بوصفه تهديداً يعيد طرح سؤال السلطة وحدودها.

سارة بورخزري

كرماشان ـ إذا نظرنا هذه الأيام إلى الطبيعة من حولنا، نرى في كل زاوية من زاغروس آثار السواد والاحتراق؛ بقعاً تبدو وكأنها قد نُقشت على جسد هذه الطبيعة، وتُخبر عن ألم عميق. مساحات واسعة من الغابات والمراعي والجبال في البلاد تحترق كل عام، والطبيعة التي يفترض أن تكون مصدراً للحياة تتحول إلى مشهد من الدمار. لكن السؤال الجوهري هو: لماذا تتكرر هذه الكارثة كل عام؟ ولماذا، رغم التجارب المريرة والخسائر الفادحة، لا ينخفض مستوى الأزمة، بل تتسع رقعتها؟

في السنوات الأخيرة، تدخل طبيعة إيران، ولاسيما زاغروس التي تُعد الرئة الخضراء لغرب البلاد، مرحلة حساسة وهشة مع بدء الأيام الحارة. في هذه الفترة، قد تتحول شرارة صغيرة، أو زجاجة تُركت تحت الشمس، أو مصالح سلطوية، إلى نار تهدد حياة آلاف الأشجار والنباتات والكائنات.

         


        

تقول محبوبة. ر، عضوة جمعية "عشتار" البيئية في مدينة كرماشان "بالرغم من أن جمعيتنا معنية بحماية البيئة، إلا أنها لا تمت بصلة إلى المسؤولية التي يحملها اسمها. فمع بداية كل صيف، لا يتحرك لمواجهة حرائق الغابات والطبيعة سوى المجموعات الشعبية. لكن قدرة الناس محدودة أمام اتساع هذا الخطر؛ فالتجهيزات غير كافية، والمتطوعون يواجهون النار مباشرة بلا أي أدوات أو وسائل حماية ".

وتضيف "أولئك الذين يغامرون بحياتهم، بإمكانات بدائية ودون أي معدات سلامة، هم هؤلاء العاشقون للطبيعة الذين يقفون في الصف الأول. ومع ذلك، تسعى السلطات إلى إقصائهم عبر خلق المشكلات والضغط عليهم؛ لأنها تريد إخفاء عجزها".

استناداً إلى الإحصاءات الصادرة عن منظمة الغابات والمراعي وإدارة مصادر المياه في البلاد، تتعرض نحو 21 ألف هكتار من الغابات والمراعي في إيران سنوياً لحرائق؛ وهو رقم يعادل ما يقارب 30 ألف ملعب كرة قدم. والمقلق في الأمر أن نحو نصف هذه الحرائق تقع في نطاق زاغروس، حيث توجد النسبة الأكبر من غابات البلوط في إيران.

         


        

ولفهم عمق هذه الكارثة، يكفي أن ندرك أن هذه المساحة تعادل تقريباً كامل مساحة مدينة كرماشان. هذا الحجم الهائل من الدمار لا يعني فقط فقدان الأشجار، بل هو موت منظومة بيئية كاملة. ففي هذه الرقعة الواسعة تعيش آلاف الأنواع النباتية والحيوانية، وكثير منها لا يوجد إلا في زاغروس، وإعادة إحيائها إما مستحيلة أو تحتاج إلى عقود طويلة.


         


        

من إخماد النار إلى مواجهة القمع

تُظهر الإحصاءات السابقة واتساع رقعة الحرائق المتزايدة أن القوى الشعبية تواجه كل عام حجماً هائلاً من الخسائر والدمار. لكن معركة محبّي الطبيعة ضد النار ليست سوى جانب واحد من القصة؛ فهم يقفون في مواجهة عدوين أحدهما النيران التي تلتهم الغابات والمراعي، والآخر سلطات تصطف ضدهم بدل أن تدعمهم.

ولهذا نرى كل عام، إلى جانب الأرقام المؤلمة لمن يفقدون حياتهم أثناء مكافحة الحرائق، موجة من الملفات الأمنية والقيود الواسعة تُفرض على هؤلاء المتطوعين. ولا تتوقف هذه الضغوط عند حدود التحذير والتهديد؛ بل تمتد إلى اتهامات سياسية وأمنية، واعتقالات، واستجوابات طويلة، وأحكام سجن ثقيلة.

         


        

وتقول محبوبة. ر "في السنوات الأخيرة شهدنا رحيلاً مؤلماً لكثير من الأشخاص الذين ضحوا بحياتهم من أجل حماية الطبيعة؛ من بينهم المتطوعون الذين فقدوا حياتهم العام الماضي أثناء محاولة إخماد حريق جبل آبيدر في سنه".

وتشير إلى أن "موت هؤلاء لم يكن نتيجة إهمال أو خطأ بشري؛ بل يمكن اعتباره قتلاً حكومياً مباشراً. فالحكومة لا تكتفي بالتقصير في منع الحرائق، بل تتسبب عبر الإهمال المتعمّد وغياب المعدات في دفع الناشطين البيئيين إلى فخ النيران التي ساهمت هي نفسها في خلق ظروفها. وحتى لو نجا هؤلاء الناشطون من موتٍ محقق، فإن الحكومة تسقط عليهم ملفات أمنية، واتهامات سياسية، واعتقالات طويلة، لتزج بهم في السجن وكأن إنقاذ الطبيعة جريمة، وحماية الغابات خطيئة لا تغتفر".

         


        

في ظل هذا الواقع، لم تعد حماية الطبيعة في إيران مجرد نشاط تطوعي أو واجب بيئي، بل تحولت إلى مساحة تتقاطع فيها قضايا البيئة مع الحقوق والحريات العامة. وبينما يواصل المتطوعون مواجهة الحرائق بإمكانات محدودة، يواجهون في الوقت نفسه ضغوطاً أمنية وملاحقات تجعل من العمل البيئي تحدياً يتجاوز إنقاذ الغابات إلى الدفاع عن حق المجتمع في التنظيم والمبادرة.