حسرت إيبك ألتشين تصنع الشموع وتعزز العمل النسائي
في وان بشمال كردستان، تحول حسرت إيبك ألتشين شغفها بصناعة الشموع إلى مشروع يجمع بين الاستقلال الاقتصادي والسكينة النفسية، فاتحةً أمام النساء مساحة للإبداع والتعبير عن الذات وتعزيز التضامن النسائي.
مميهان هلبين زيدان
وان ـ في ظل تسارع وتيرة الحياة وكثرة مشاغلها، لا يحتاج الإنسان أحياناً سوى إلى لحظات من الصمت والهدوء ليستعيد توازنه وراحته النفسية. ومن هذا المنطلق، وجدت حسرت إيبك ألتشين، المقيمة في وان بشمال كردستان، في صناعة الشموع مساحة للسكينة والتعبير عن الذات، وهو الشغف الذي رافقها لسنوات، قبل أن تحوله إلى مشروع مهني داخل ورشتها الخاصة منذ أكثر من عامين.
من خلال هذا المشروع، لم تتمكن حسرت إيبك ألتشين من تحويل شغفها إلى مصدر للدخل فحسب، بل سعت أيضاً إلى توفير مساحة للنساء تتيح لهن الابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، وتخصيص وقت لأنفسهن. فبين وهج الشموع وهدوء اللهب، تمضي في رحلتها التي تجمع بين الإنتاج والجمال، وتعزز في الوقت ذاته قيمة العمل النسائي وروح التضامن بين النساء.
وتبلغ حسرت إيبك ألتشين 39 عاماً، وقد أمضت أكثر من عامين في صناعة الشموع وتسويقها، محققةً من خلالها دخلاً مادياً، ومشاركةً الآخرين شعور السكينة الذي تستمده من مراقبة النار وتأمل حركتها الهادئة.
وترى أن علاقة الإنسان بالنار لا تزال حاضرة رغم التحولات التي شهدتها الحياة، وأن هذه الصلة تتجلى بوضوح في لحظات الصمت والتأمل التي تحيط بها، موضحة أن التحديق في اللهب يمنح الإنسان شعوراً بالفراغ الذهني، حيث تهدأ الأفكار ويصمت العقل، لتنبثق من تلك اللحظة مساحة من الراحة والسكينة.

أما اسم ورشتها "Mumê"، فقد استلهمته من أسطورة متداولة في جولميرك (هكاري)، في دلالة على ارتباط مشروعها بالموروث الثقافي والرموز التي تحملها الذاكرة الشعبية. وتروي حسرت إيبك ألتشين حكايتها مع النار وصناعة الشموع، متحدثةً عن طبيعة عملها والأشكال التي تبدعها، في تجربة تتجاوز حدود الحرفة لتصبح وسيلةً لنشر الهدوء والجمال، وفتح آفاق جديدة أمام النساء.
تنحدر حسرت ألتشين من مدينة تشوروم، وانتقلت إلى وان عام 2007 لمتابعة دراستها الجامعية، قبل أن تتزوج وتستقر فيها. وبعد حصولها على الدكتوراه، ابتعدت مؤقتاً عن الحياة الأكاديمية، واتجهت إلى صناعة الشموع وبيعها، وهو المجال الذي تعمل فيه منذ أكثر من عامين.
وتعود علاقتها بصناعة الشموع إلى 15 عامًا، إذ وجدت فيها وسيلة للراحة وتصفية الذهن، قبل أن تحوّل شغفها إلى مشروع يدرّ عليها دخلًا، ويتيح لنساء أخريات الاستمتاع بالشموع المعطّرة وغير المعطّرة.
وترى أن صناعة الشموع تساعدها على التخلص من ضغوط الحياة، وتشبه الوصول إلى ميناء آمن بعد عاصفة، مبينة أن صعوبات العمل الأكاديمي، من الدراسة وكتابة الأطروحات والمقالات إلى السعي لنيل استحسان الآخرين، دفعتها إلى إدخال الروائح والألوان ووهج النار إلى حياتها، بحثاً عن الهدوء واستعادة التوازن النفسي.

"إشعال الشموع يبعث على راحة الذهن"
واجهت حسرت إيبك إلتشين بعض المخاطرة عند افتتاح ورشتها في وان، لعدم وجود مشروع مماثل آنذاك، واستغرقت ستة أشهر في توضيح أهمية إشعال الشموع للناس، قبل أن تبدأ باستقطاب الزبائن تدريجياً.
وترى أن الشموع ليست مجرد وسيلة للإضاءة، بل وسيلة للحفاظ على صلة الإنسان بالنار، التي رافقته منذ آلاف السنين، ومصدر للراحة النفسية والسكينة.
وتوضح أن إشعال الشموع في إضاءة خافتة يساعد على تهدئة الذهن وتخفيف فوضى الأفكار، مشيرةً إلى أن الهدف الأساسي منها هو تحقيق الهدوء الداخلي وخلق أجواء مريحة بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية.
وتؤكد أن قيمة عملها لا تقتصر على العائد المادي، بل تتجاوز ذلك إلى التعرف على أشخاص يتمتعون باللباقة والتسامح وحب الجمال، لافتةً إلى أن ورشتها، التي مضى على افتتاحها عامان وشهران، أصبحت ملتقى لأشخاص يقدّرون الفن والأدب ويحترمون الجهد المبذول، مشيرةً إلى أن لقاءهم يمنحها راحة نفسية وسعادة تفوقان قيمة المال.
وفيما يتعلق بتصاميم شموعها، توضح حسرت ألتشين أنها تستلهم الأشكال والرموز التي تستخدمها من اهتمامها بالتاريخ والأساطير، كما تحرص على توظيف الأشكال النسائية في أعمالها، انطلاقًا من رؤيتها للجمال "المرأة كيان جمالي، ويسعدني أن أضفي هذا الجمال على الشموع".

"النضال متأصل في طبيعة المرأة"
وتؤكد حسرت ألتشين أن النضال جزء لا يتجزأ من حياة المرأة، فهي قادرة على مضاعفة ما تمتلكه من إمكانات وعطاء، وتحويل ما بين يديها إلى فرص جديدة. وترى أن هذه القدرة متجذرة في طبيعتها، وتنعكس في مختلف جوانب حياتها.
وتوضح أن المرأة ناضلت على الدوام من أجل حقوقها وأطفالها وأسرتها، كما ساندت النساء الأخريات في نضالهن. فبالنسبة إليها، لا يقتصر نضال المرأة على القضايا الكبرى، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، إذ تظل منشغلة بالتفكير والتخطيط حتى أثناء قيامها بالأعمال المنزلية.
وتنظم حسرت ألتشين ورشات لصناعة الشموع داخل ورشتها الخاصة، وتتيح للنساء المشاركة بمفردهن أو برفقة صديقاتهن، دون التقيد بعدد محدد. وتحرص على توفير مساحة هادئة تساعد المشاركات على التخلص من الضغوط والأفكار المرهقة، إذ تكتفي أحياناً بتقديم الإرشادات التقنية وتترك لهن حرية العمل في صمت.
وتؤكد أن هدفها هو أن تشعر كل امرأة بالراحة والانتماء، وأن تغادر الورشة بقطعة صنعتها بنفسها وذكرى جميلة تحتفظ بها، مشددة على أن المرأة قادرة على تحويل أي مهارة إلى مهنة تُمكنها من كسب عيشها.
وتختتم حسرت ألتشين حديثها بالقول "يجب أن يكون عمل المرأة حاضراً في جميع مجالات حياتنا، وأن يحظى بالقيمة والتقدير، وأن يكون قوة فاعلة ومؤثرة".