القمح في السويداء... هل يتحول الموسم الاستثنائي إلى مخزون استراتيجي؟
يشهد محصول القمح في مدينة السويداء هذا العام إنتاجاً مرتفعاً بفضل الأمطار الغزيرة، ما يتيح فرصة لتعزيز الأمن الغذائي إذا جرى تخزينه وتسويقه بكفاءة رغم التحديات التي تواجه المزارعين.
روشيل جونيور
السويداء ـ في ظل موسم مطري يعد من الأفضل خلال السنوات الأخيرة، يعود محصول القمح إلى واجهة الاهتمام في سوريا باعتباره محصولاً استراتيجياً وركيزة أساسية للأمن الغذائي.
تكتسب هذه القضية أهمية إضافية في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية التي تعيشها سوريا، والحاجة إلى تعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي، في وقت باتت فيه الزراعة أحد أهم عوامل الصمود والاستقرار.
وفي الوقت الذي يراهن فيه المزارعون على وفرة الإنتاج هذا العام، تبرز تساؤلات حول آليات الحفاظ على المحصول وتخزينه وتسويقه، خاصة بعد تعرض عدد من الصوامع والمستودعات للحرق خلال أحداث تموز/يوليو 2025 من قبل جهاديي هيئة تحرير الشام، ما خلق تحدياً كبيراً في تأمين أماكن آمنة لتخزين الإنتاج وحمايته من الفاقد والمخاطر.
وقالت المهندسة الزراعية أماني الحاصباني إن محصول القمح شهد هذا العام إنتاجاً مرتفعاً، بفضل الهطولات المطرية الغزيرة التي لم تشهدها السويداء منذ نحو خمس سنوات، ما انعكس بشكل واضح على نمو المحاصيل وزيادة إنتاجيتها، مبينة أن تقديرات اتحاد الفلاحين تشير إلى أن إنتاج القمح بلغ نحو 25 ألف طن، وهو رقم يعكس تحسناً ملحوظاً مقارنة بالمواسم السابقة، ويفتح الباب أمام فرصة حقيقية لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على مصادر التوريد الخارجية، إذا تم استثمار هذا الموسم بالشكل الصحيح.
وأكدت أن وفرة الإنتاج وحدها لا تكفي لاعتبار الموسم ناجحاً، إذ إن نجاح أي موسم زراعي لا يقاس فقط بحجم المحصول، وإنما بقدرة المزارعين على حفظ إنتاجهم وتسويقه وتحقيق عائد عادل يغطي تكاليف الزراعة، موضحة أن تحديات التخزين والتسويق لا تقل أهمية عن الإنتاج نفسه، لأن خسارة جزء من المحصول بعد الحصاد أو تعثر تسويقه ينعكس مباشرة على دخل المزارعين وعلى الأمن الغذائي في السويداء.
تضرر البنية التخزينية
وأشارت إلى أن عدداً من الصوامع والمستودعات تعرض للحرق خلال أحداث تموز العام الماضي، ما أدى إلى خسائر كبيرة في البنية المخصصة لتخزين الحبوب، وأوجد حاجة ملحة لإنشاء مستودعات وصوامع جديدة موزعة في أكثر من منطقة، بما يضمن حماية الإنتاج وتقليل المخاطر في حال وقوع أي طارئ.
وأوضحت أماني الحاصباني أن إنتاجية الدونم كانت مرتفعة هذا الموسم، إلا أن المساحات المزروعة لم تكن بالمستوى المأمول بسبب تضرر مناطق في الريف الغربي، واضطرار عدد من الأهالي إلى النزوح وترك أراضيهم دون زراعة أو خدمة، مؤكدة أن نجاح القطاع الزراعي لا يعتمد على الظروف المناخية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى استقرار أمني يتيح للمزارع الوصول إلى أرضه، والاعتناء بها، وحصاد محصوله، وتسويقه بأمان.
وأضافت أن القمح ليس مجرد محصول زراعي، بل يمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي لأنه يدخل في إنتاج الخبز، المادة الغذائية الأكثر أهمية بالنسبة للأسر، مشيرة إلى أن اعتماد السويداء خلال العام الماضي على المساعدات الغذائية بسبب الظروف التي مرت بها المدينة من حصار كامل يؤكد أهمية امتلاك إنتاج محلي قادر على تأمين جزء كبير من الاحتياجات، معتبرة أن زراعة كل دونم والحفاظ على كل طن من القمح عبر التخزين السليم يسهمان في تعزيز قدرة المجتمع على الصمود ومواجهة الأزمات.
فرصة استراتيجية لبناء مخزون محلي مستدام
ورأت أن الموسم الحالي يشكل فرصة لبناء مخزون استراتيجي، ليس فقط عبر تخزين كميات كبيرة من القمح، وإنما من خلال وضع خطة متكاملة لإدارة هذا المخزون وتوزيعه واستثماره عند الحاجة، بما يضمن استمرارية توافر الطحين والخبز في مختلف الظروف، مضيفة أن تحقيق ذلك يتطلب تعاوناً بين المزارعين والمغتربين والجهات الزراعية، وعلى رأسها مديرية الزراعة واتحاد الفلاحين، لإنشاء صوامع ومستودعات في مواقع متعددة داخل السويداء، بما يعزز سلامة المخزون ويحميه من المخاطر.
وحول أبرز التحديات، أوضحت أن الحرائق ما تزال تمثل الخطر الأكبر على محصول القمح، إلى جانب ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف الحصاد، وصعوبات التسويق، وانخفاض أسعار التبن الذي كان يساهم في السنوات الماضية بتغطية جزء من تكاليف الإنتاج، وهو ما يزيد من الأعباء المالية التي يتحملها المزارعون.
وأشادت أماني الحاصباني بدور المجتمع المحلي، مؤكدة أن التجارب التي شهدتها السويداء خلال العام الماضي أثبتت قدرة التعاونيات والمبادرات الأهلية، بدعم من أبناء السويداء في الاغتراب والفعاليات المحلية، على تنفيذ مشاريع تخدم المجتمع.
ورأت أن هذه التجارب يمكن البناء عليها لإنشاء مراكز تخزين حديثة، وتأمين معدات الإطفاء، وتنظيم حملات لحماية الأراضي الزراعية، والاستفادة من تجارب مماثلة نجحت في مناطق أخرى مثل الساحل.
وعن ملف التسويق، اعتبرت أنه التحدي الأكبر أمام المزارعين، مشيرة إلى أن تأخر عمليات الاستلام وغياب أسعار واضحة وعادلة يضعف الجدوى الاقتصادي للموسم، رغم وفرة الإنتاج، داعية إلى إنشاء مراكز استلام قريبة من القرى، ولا سيما البعيدة منها، وتأمين وسائل النقل، وتسريع عمليات الدفع، بما يضمن حصول المزارع على مستحقاته في الوقت المناسب ويشجعه على الاستمرار في زراعة القمح خلال المواسم المقبلة.
وأكدت أن المرحلة المقبلة تتطلب شراكة حقيقية بين المزارعين ومديرية الزراعة واتحاد الفلاحين والمجتمع المحلي، لأن تعزيز الأمن الغذائي مسؤولية جماعية تبدأ بدعم المزارع وتوفير مستلزمات الإنتاج والإرشاد الزراعي، وتمر بحماية الأراضي الزراعية وتمويل المبادرات التعاونية، ولا تنتهي إلا بوصول محصول القمح إلى المستهلك ضمن منظومة عادلة وآمنة.
وأكدت أماني الحاصباني على أن الموسم الحالي يمثل فرصة مهمة، داعية إلى استثمارها من خلال سياسات واضحة تدعم المزارعين في مراحل الإنتاج والحصاد والتخزين والتسويق، مشددة على أن الحفاظ على محصول القمح ليس مسؤولية المزارع وحده، بل مسؤولية تشاركية تقع على عاتق الجهات المعنية والمجتمع المحلي، لأن حماية هذا المحصول تعني حماية أحد أهم مقومات الأمن الغذائي في السويداء، وضمان استدامة الإنتاج المحلي في السنوات المقبلة.