الأزمة الاقتصادية وتصاعد المسؤوليات داخل الأسرة يثقل كاهل النساء
تدفع الأزمات الاقتصادية المتفاقمة في إيران وشرق كردستان، النساء إلى تحمل أدوار متزايدة داخل الأسرة، في وقت تتغير فيه بنية الأسرة وتتسع مسؤوليات المرأة بين العمل والإعالة والرعاية، من دون أن تتغير بالوتيرة نفسها النظرة التقليدية إلى دورها.
جوان شريف زادة
بوكان ـ تشهد بنية الأسرة وتوزيع المسؤوليات الأسرية في إيران، على غرار العديد من المجتمعات حول العالم، تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة. غير أن هذه التحولات اتخذت في الحالة الإيرانية مساراً أكثر تعقيداً، انعكس بصورة مباشرة على أوضاع النساء وأدوارهن داخل الأسرة والمجتمع.
دفعت الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، وفي مقدمتها التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع نطاق انعدام الأمن الوظيفي، أعداداً متزايدة من النساء إلى تحمل مسؤولية إعالة أسرهن، جزئياً أو كلياً. ولم يعد دور المرأة مقتصراً على إدارة شؤون المنزل ورعاية الأسرة، وهي أدوار لطالما اعتُبرت مسؤوليات غير مدفوعة الأجر ولم تحظَ بالاعتراف بوصفها عملاً اقتصادياً.
وتجسّد قصة (خديجة. أ) البالغة من العمر 55 عاماً، هذا الواقع بوضوح. فهي، إلى جانب كونها ربة منزل، تعمل في متجر لبيع الأحذية، وتمارس أعمال النسيج من منزلها لتوفير دخل إضافي للأسرة. وتقول "زوجي يعمل أحياناً في أعمال يدوية، لكنه لا يملك وظيفة ثابتة، ودخلي يؤمّن جزءاً كبيراً من معيشة الأسرة".
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من ستة ملايين امرأة في إيران يُصنفن رسمياً بوصفهن معيلات لأسرهن. غير أن هذا الرقم لا يعكس بالضرورة الحجم الحقيقي لهذه الظاهرة، إذ تتداخل في تحديده عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وقانونية، فضلاً عن أن كثيراً من النساء يتحملن فعلياً أعباء مالية وأسرية كبيرة من دون أن يُسجَّلن رسمياً بوصفهن المعيلات الرئيسيات لأسرهن.
الإعالة الخفية والعمل المضاعف
تأتي التحولات الأخيرة في تقسيم العمل والانتقال من الدور التقليدي للمرأة في وقت لا تزال فيه الهياكل القانونية والاجتماعية قائمة على قواعد أبوية، ومع اشتداد الضغوط الاقتصادية يتغير وضع النساء أيضاً بوتيرة أسرع؛ فهناك نساء كثيرات لا يُعتبرن على الورق معيلات لأسرهن، ولا يحصلن على أي دعم.
وتقول كازيوه نعيمي (اسم مستعار)، وهي عالمة اجتماع وناشطة في مجال حقوق المرأة، في تحليلها لهذه الظروف "في الوقت الذي يشهد فيه تعريف دور المرأة تغيرات وتحولات على أرض الواقع، لا يزال أفراد الأسرة الآخرون يتوقعون من النساء الالتزام بالأدوار التقليدية، كما أن الهياكل غير عادلة، والنساء يعملن بصورة مضاعفة".
وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، فإن نسبة كبيرة من النساء اللواتي دخلن سوق العمل مؤخراً هنّ من النساء اللواتي لم يكن مسموحاً لهن في السابق بالعمل أو الدراسة، وربما لم تتح لهن فرصة الحصول على التعليم الكافي لتفعيل قدراتهن والاستفادة منها فعلياً بحسب محدثتنا.
فالمرأة التي دخلت سوق العمل لتعويض الدخل غير الكافي للأسرة قد تواجه كما تؤكد "سوق عمل غير رسمي، وأجوراً منخفضة، وغياب التأمين، وانعدام الأمن الوظيفي، وغير ذلك، في حين تظل المسؤوليات الأسرية قائمة، وتصبح هذه الحالة أكثر حدة بالنسبة إلى النساء المعيلات لأسرهن والعازبات، لأن دخل المرأة في هذه الحالة لم يعد مجرد دخل مكمّل لدخل الأسرة، بل قد يكون المصدر الوحيد لمعيشة الأسرة وللمرأة نفسها".
وقد تكون هناك أسر بحسب كازيوه نعيمي لا يزال الرجل فيها يُنظر إليه باعتباره المعيل المالي الأساسي، بينما تكون المرأة في الواقع هي وعملها من يؤمّنان معيشة الأسرة "بشكل عام، تكون المرأة في هذا الهيكل وحيدة وتحظى بدعم أقل مقارنة بالرجل، وهذا النمط آخذ في التفاقم بسرعة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة".
الاتجاه المتزايد نحو التغير في أشكال الأسرة
بدأ الشكل الغالب للأسرة، الذي كان يتكوّن عادةً من الأب والأم والأبناء الذين يعيشون معاً، في التغيّر، وفي هذا التحول، الذي تشير الإحصاءات في السنوات الأخيرة إلى أن سببه يعود بدرجة أكبر إلى عدم الزواج وارتفاع معدلات الطلاق، لعبت المشكلات الاقتصادية الدور الأبرز.
(هانية. م)، البالغة من العمر 28 عاماً والمعيلة الوحيدة لابنتها، تعيش منذ أربعة أشهر بمفردها ومن دون دعم أي شخص أو مؤسسة، تقول إن زوجها لم يعد قادراً على إدارة شؤون الحياة "لم يكن لديه عمل مناسب، ولم نعد قادرين حتى على دفع إيجار المنزل، وكان بصفته رجلاً يمنعني أيضاً من العمل، كانت والدتي أحياناً تشتري لنا احتياجات المعيشة، وعندما ازدادت الضغوط المالية، لم يكن مستعداً لتحمل أي مسؤولية".
وبعد انفصالها عنه، طلبت منه أن يحتفظ بابنتهما لمدة عام حتى تستأجر منزلاً وتؤمن عملاً لكنه قال إن عليها أن تسلم الطفلة إلى مؤسسة الرعاية الاجتماعية، وقد بادلت (هانية. م) حضانة ابنتها بمهرها، وهي تعيش الآن بصعوبة من خلال عملها في عيادة طبية.

(إلهه. س)، وهي ممرضة تبلغ من العمر 29 عاماً، امرأة أخرى رأت أن تكوين أسرة أمر مستحيل رغم رغبتها فيه، وفضّلت أن تعيش بمفردها "تكلفة الحياة لشخصين، فضلاً عن نفقات الزواج، مرتفعة جداً، لذلك أعيش الآن في سكن جماعي في مدينة أخرى وأعمل في مستشفى، فالحياة أصبحت أصعب بكثير من أي وقت مضى، لكن الزواج سيجعلها بالتأكيد أكثر صعوبة".
وأضافت "صحيح أنني لا أستطيع أن أعيش في منزل والدي كما كنت أفعل في الماضي، لكن الجميع يرونني، ليس كشخص مستقل، وإنما كجزء تابع لتلك الأسرة".
كما تواجه (آمنة. و)، البالغة من العمر 68 عاماً والموظفة المتقاعدة، هي الأخرى أزمات جديدة في حياتها، وتقول "توفي زوجي قبل ثلاث سنوات، ومنذ نحو عام وأنا أعتني بطفله بدلاً من ابني اللاجئ في اليونان. أمّ الطفل تزوجت أيضاً، وليست لديها الظروف أو القدرة على رعايته. الطفل، على الورق، في كفالة والده، لكنني أعتني به من راتبي التقاعدي".
ولا يزال عدد النساء اللواتي يتحملن مثلها مسؤولية رعاية الأطفال في هذه المرحلة العمرية في ازدياد.

النساء في حصار الظلم
إن ما يتشكل اليوم داخل بنية الأسرة الإيرانية يمكن أن يكون مؤشراً على تغيّرات أعمق في العلاقات الاجتماعية، وهي تغيّرات تُظهر المشكلات الاقتصادية وجهاً آخر لها، ومع ذلك، فإن التغيّر في الواقع الاجتماعي لا يعني بالضرورة تغيّراً في هياكل السلطة.
وقد يشكل هذا التباين إحدى أهم قضايا مستقبل الأسرة في إيران فيما يتعلق بالنساء؛ فالمجتمع يتوقع من النساء مشاركة أكبر في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، لكنه لم يعترف بعد بجميع المتطلبات اللازمة لهذه المشاركة.
وفي مثل هذه الظروف، قد تؤدي التغيّرات الاجتماعية، قبل أن تقود إلى زيادة استقلالية النساء وخياراتهن، إلى زيادة الأعباء الواقعة عليهن فحسب، أو تجعل مصير النساء أكثر تأثراً من غيرهن.