نوبهار مصطفى: تجاوز الدولة القومية قد يكون مدخلاً لإعادة بناء المنطقة
أكدت الناشطة السياسية والنسائية نوبهار مصطفى، أن الشرق الأوسط يقف أمام تحولات جذرية، لكن مستقبل المنطقة لن تحدده القوى الدولية والإقليمية وحدها، مشددةً على أن تحرر المرأة وبناء نظام ديمقراطي يشكلان مدخلاً أساسياً للخروج من دوامة الحروب والأزمات.
مالفا محمد
مركز الأخبار ـ يشهد الشرق الأوسط مرحلةً متسارعة من التحولات السياسية والأمنية والاجتماعية، في ظل حروب ونزاعات وتدخلات إقليمية ودولية تعيد رسم موازين القوى والنفوذ في المنطقة. فمن سوريا واليمن والسودان، إلى إيران وتركيا والقضية الكردية، تتداخل الأزمات الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية، فيما تتزايد التحديات المرتبطة بالسيادة والاستقرار وحقوق الشعوب.
في خضم هذه التحولات، تبرز أسئلة عديدة حول مستقبل النظام الإقليمي، وطبيعة الدولة القومية، ودور القوى الإقليمية والدولية في رسم مستقبل المنطقة، إلى جانب تداعيات الحروب والنزاعات على المجتمعات، ولا سيما النساء والفئات المهمشة.
ولمناقشة طبيعة هذه التحولات، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو نظام إقليمي جديد، وانعكاساتها على مستقبل الدول والمجتمعات، ودور القوى الإقليمية والدولية في سوريا واليمن والسودان وإيران، أجرت وكالتنا حواراً مع الناشطة السياسية والنسوية نوبهار مصطفى. وفي الجزء الأول من الحوار، تتناول أبرز هذه القضايا وتداعياتها على مستقبل المنطقة.
لنبدأ من المشهد الإقليمي الأوسع... كيف تقرئين ما يجري اليوم في الشرق الأوسط؟
يشهد العالم تطورات متسارعة وتحولات متلاحقة، ولا سيما بعد مرور نحو مئة عام على اتفاقية سايكس ـ بيكو التي أسهمت في رسم خرائط المنطقة وتقسيمها وفق مصالح القوى المهيمنة آنذاك، وفي مقدمتها المصالح التجارية والمالية. وبعد مرور قرن على تلك المرحلة، باتت هذه الخرائط، وفق رؤية بعض هذه القوى، تشكل عائقاً أمام مصالحها الربحية المتجددة، الأمر الذي دفعها إلى العمل على تنفيذ ما يمكن وصفه بـ "الخطة المئوية" لإعادة تشكيل المنطقة.
وفي هذا السياق، تسعى بعض القوى المهيمنة إلى تغيير الحدود السياسية القائمة، بالتوازي مع تغيير الأنظمة التي ترى أنها تعيق مصالحها. في المقابل، تسعى قوى أخرى إلى الإبقاء على الحدود الحالية، أي حدود سايكس ـ بيكو، مع العمل على تغيير سلوك الأنظمة أو إعادة تشكيلها بما يتوافق مع مصالحها.
وتتمثل هذه المصالح أساساً في الطاقة ومواردها، إضافة إلى طرق توريد الطاقة إلى القارات المهيمنة، ومنها أوروبا وأمريكا. لذا نرى أن المستجدات تتسارع، سواء من خلال إنشاء تحالفات جديدة ووضع خطط جديدة وخلق حروب جديدة في المنطقة، أو على المستوى الدولي، كما في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والحرب الإسرائيلية على غزة، والحروب التي شهدناها في السودان وسوريا والعراق وإيران ولبنان.
هذه التطورات تجري بصورة عنيفة، وهي نزاعات وحروب تستهدف المناطق والشعوب وتطلعاتها في السيادة وفي حق تقرير المصير. أما الدول التي لم تصل إليها الحرب، فلم تسلم هي الأخرى من هذه الخطط، بل تعاني من تراجع الحريات والديمقراطية. وهذا السلوك يرتبط بالسلطات الحاكمة في الدولة القومية، التي تتصالح مع مصالح الدول والقوى الرئيسية.
برأيك، هل نحن أمام مجموعة أزمات متزامنة، لكل منها أسبابها ومساراتها؟ وهل تعكس هذه الأزمات تحولات أوسع في موازين القوى والنفوذ في المنطقة؟
نحن أمام أزمات أمنية وحالات عدم استقرار، وأزمات اقتصادية خانقة، وأزمات سياسية وتراجع في الديمقراطية، إضافة إلى زعزعة اجتماعية ومجتمعية، وقضايا المرأة والشباب والعاطلين عن العمل وهجرة العقول من المنطقة.
قد تكون لكل أزمة أسبابها ومساراتها، لكنها تشترك في قاسم واحد، وهو أن هذه الأزمات مفتعلة نتيجة السياسات الدولية للقوى المهيمنة والدول الربحية التي تسعى إلى تنظيم المنطقة وخلق حالة شرق أوسطية ملائمة لمصالحها، ولا تشكل خطراً على خططها الأمنية ومصالحها المالية والربحية.
لكن هذه الخطط الدولية لن تنجح من دون أدوات وامتدادات داخل المنطقة، وهذا ما نشهده من خلال السلطات والحكومات الحاكمة إقليمياً، التي تتوافق مع هذه المصالح وتسعى إلى الربح ولو كان ذلك على حساب المصلحة الوطنية والسيادة الوطنية والتصالح مع المجتمعات.
في ظل هذه التحولات، هل يمكن القول إن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل حقيقية للنظام الإقليمي؟ وإذا كنا أمام مرحلة جديدة، فما أبرز ملامحها؟
دولياً وإقليمياً، نحن نتجه إلى تغيرات جذرية على مختلف الأصعدة. هناك عدة أقطاب وجبهات ونظريات فكرية تسعى إلى رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد. الدول الرأسمالية والقوى الداعمة لها أو المتعاونة معها إقليمياً تسعى إلى رسم ملامح المنطقة بما يتوافق مع مصالحها، وفي مقدمتها حماية طرق الطاقة، والحصول على اليد العاملة الرخيصة، والاستفادة من الموارد المائية والطاقة والموارد البترولية الرخيصة والمستدامة. كما تسعى إلى أن تكون المنطقة غير قادرة على الاعتراض على هذه الخطط.
لكن لا نستطيع القول إن المستقبل سيسير بالضرورة وفق هذه الخطة، لأن هناك حركات مقاومة ومجتمعات يقظة ومنظمات مدنية وحركات يسارية ونسائية وشعوباً مضطهدة تعارض هذه الخطط وتقاومها. ولإفشال هذه الخطط، هناك حاجة إلى مزيد من الشمول والتنظيم والترابط، بحيث تتشكل جبهة متحالفة في مواجهة جبهة الدول الرأسمالية.
تبنت إيران حتى الآن استراتيجية مختلفة في المنطقة. فقد نجحت في إبقاء الحرب خارج أراضيها من خلال حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين وغيرها. أما الآن، فقد أُطلقت حملة عسكرية جديدة ضد هذه الجماعات. فهل يجري تطوير استراتيجية جديدة مناهضة لإيران، تسعى إلى إدراج سوريا أيضاً ضمن هذه المواجهة؟ وما تأثير حرب تستهدف جميع المناطق التي تتمتع فيها إيران بنفوذ على المنطقة؟
أولاً، بالنسبة إلى إيران، لا أعتقد أنها نجحت في إبعاد الحرب عنها، فهي تعيش في الواقع حالة من الحرب الداخلية. فالسلطات الإيرانية لا تعترف بحقوق الشعوب الموجودة داخل حدود الدولة الإيرانية، كما لا تعترف بحقوق النساء. ومع حلول ذكرى انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" واستشهاد جينا أميني، ما زلنا نشهد الإعدامات والاعتقالات التعسفية وكتم الأفواه، إلى جانب تهميش الشعوب وتجاهل مطالبها.
إذا أرادت إيران أن تكون قادرة على التصدي لأي حرب خارجية، فعليها أولاً أن تبني بيتها الداخلي على أسس قوية، وهذا لا يتحقق إلا عبر استتباب الأمن، ورفع حالة الطوارئ، والاعتراف الدستوري بجميع الشعوب وحقوقها الثقافية والقومية.
وأرى أن إيران أمام خيارين: إما أن تتجه نحو إصلاحات داخلية وبناء نظام ديمقراطي يضمن حقوق جميع الشعوب ويحتوي التنوع الثقافي والقومي الموجود داخل الدولة، وإما أن تتجه نحو مزيد من الضعف. ولا أقصد بالضرورة انهيار الدولة أو السلطة أو رحيل النظام بالشكل التقليدي، وإنما قد يظهر ذلك في صورة إيران ضعيفة ومتهالكة، خصوصاً في ظل ما تواجهه من ضغوط وحصار جوي ومالي واقتصادي، وما تعيشه من تخبط اقتصادي وأمني داخلي.
وبالتالي، حتى إذا استطاعت إيران الصمود، فإنها قد لا تكون إيران التي عرفناها سابقاً، بل دولة تعاني من فجوات كبيرة في الداخل وتواجه تراجعاً في قدرتها على فرض سيادتها. لذلك أعود للتأكيد أن أمام إيران خياران، إما أن تصبح دولة قوية بما تمتلكه من ثروة بشرية ومادية، من خلال تغيير النظام وشكل الحكم باتجاه الديمقراطية، وإما أن تتجه نحو مزيد من الضعف أمام التحديات التي تواجهها.
أما بالنسبة إلى ما يُسمى "أذرع إيران"، ومنها حزب الله والحشد الشعبي والحوثيون، فبغض النظر عن التسميات المستخدمة في الإعلام، وخصوصاً الإعلام الذي تهيمن عليه القوى الكبرى، فإن معيارنا واضح. نحن مع حق أي جماعة بشرية، أو قومية، أو إثنية، سواء كانت دينية أو مذهبية، في تقرير مصيرها، ومع حقها في أن يكون لها تمثيل وصوت داخل الدولة التي تعيش فيها، بما ينسجم مع المصلحة الوطنية. فنحن نرى أن إعلاء صوت المهمشين والمضطهدين من مختلف القوميات والأقليات والإثنيات، بتنوعها، يمكن أن يشكل مصدر غنى للوطن، ولا ينتقص من الوطنية أو السيادة الوطنية.
وبالمبدأ نفسه، نحن مع كل القوى التي تقاوم الاحتلال، ومع حق الدفاع عن النفس، لأن مقاومة الاحتلال والدفاع عن النفس حق مشروع. ولا ينبغي التعامل مع المقاومة من خلال تقييمات سلبية لمجرد الاختلاف حول أساليبها، فهذا موضوع آخر. لكن هناك معايير أساسية يجب الالتزام بها وهي أن تكون المقاومة والدفاع عن حقوق المهمشين والأقليات والقوميات منسجمة مع المصلحة الوطنية، وأن تكون جزءاً من التعايش السلمي، وأن تكون لغة الحوار هي الأساس، لا لغة السلاح. فأي سلاح يُستخدم في حرب داخلية، أو أي سلاح منفلت من إطار السيادة الوطنية، سيتحول إلى عبء على المجتمع والدولة، ولن يؤدي في النهاية إلا إلى إطالة أمد الحرب وتعميق الصراع.
للصراع في اليمن وبين الحوثيين عوامل داخلية وخارجية على حد سواء. فهل يمكن النظر إلى اليمن باعتباره ساحة لحرب تخوضها المملكة العربية السعودية وإيران ضد بعضهما البعض؟
يمكن أن نأخذ اليمن مثالاً ونطبقه على دول المنطقة. فالحروب الداخلية قد تندرج ضمن خلافات ونزاعات داخلية، لكنها ليست بعيدة عن التدخلات الخارجية.
في اليمن، هناك قضية تتعلق بتهميش الحوثيين تاريخياً، لكن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد. فالحكومة الشرعية اليمنية مدعومة من السعودية مالياً وأمنياً واستخباراتياً وعسكرياً، وفي المقابل تمد إيران الحوثيين بالسلاح، وهذا يؤدي إلى تأجيج الصراع.
لن تصل الأطراف المجتمعية والشعوب إلى حل فيما بينها إذا كانت مرتهنة إلى القوى الخارجية. فالقوى الخارجية لا تتدخل في دولة أخرى إلا إذا كان ذلك يخدم مصالحها. وعلى القوى الداخلية، سواء الحكومة الشرعية أو الحوثيين، أن تكون أكثر عقلانية وأن تعالج القضايا بالحوار والمفاوضات، وبناء نظام يشمل مصالح الأطراف المختلفة ويمثل جميع القوى الموجودة في اليمن.
فالارتهان إلى الأطراف الخارجية يزيد التوتر ويشعل التصعيد، وهذا ما نشهده في اليمن. وما يظهر في الإعلام باعتباره نزاعاً بين الحكومة والحوثيين هو في جانب منه، ساحة لتدخلات خارجية أبرزها التنافس السعودي ـ الإيراني.
إذا أضفنا السودان إلى اليمن، فإن الأزمات والحروب الداخلية والخارجية أدت إلى تفاقم المشكلات الاجتماعية، وكذلك أوضاع النساء. في ظل هذا الوضع، كيف يمكن لبنية الدولة القومية أن تصمد عندما تكون أزماتها الاجتماعية قد تعمقت إلى هذا الحد؟
نعم، يمكن القول إن الحياة في السودان واليمن أصبحت جحيماً. نشهد القتل الجماعي والمجازر، وحالات الاغتصاب الممنهج واستخدام النساء أدوات في الحروب، إضافة إلى الاختطاف والنزوح الجماعي والأزمات الغذائية وانتشار الأوبئة.
السودان يعيش هذه الأوضاع بدرجات أعمق، مع انعدام الأمان والانتقامات الفردية وانعدام مقومات الحياة، خصوصاً بعد الحرب التي تستهدف البنية التحتية للمدن والقرى وتؤثر في الزراعة والإنتاج والاستقرار.
السودان يعيش نزاعاً داخلياً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لكنه في جوهره نزاع على السلطة. وهذا ينطبق على الإقليم عموماً، إذ إن النزاعات الداخلية لا تمثل مصالح الشعوب والمجتمعات التي تبحث عن الاستقرار والرفاه، بل ترتبط باحتكار السلطة.
كما أن هناك تدخلات خارجية متعددة، دولية وإقليمية، تزيد من تأجيج الصراع. ومن المتضرر؟ الشعب، والنساء بالدرجة الأولى، والفقراء والطبقات الكادحة والفئات المهمشة. الحروب التي تجري اليوم إقليمياً ليست حروبنا نحن النساء، وليست حروب الشعوب والطبقات الكادحة والفئات المهمشة. إنها حروب السلطات والمصالح المالية.
إذا عدنا إلى التاريخ المعاصر للشعوب، نجد أن بناء الدول القومية ارتبط بمفهوم حق الشعوب في تقرير مصيرها والعيش ضمن دولة ذات حدود سياسية. نحن نحترم التضحيات والثورات التي قامت بها الشعوب ضد الاحتلال ومن أجل حريتها، لكن السؤال هو: إلى أين توجهت هذه الشعوب بعد ذلك؟ اتجهت إلى بناء دول قومية، لكن هذه الدولة قامت على سلطة وزمرة حاكمة تحتكر المجتمع والاقتصاد والأمن. وهكذا انتقل المجتمع من احتكار الاحتلال إلى احتكار زمرة من أبناء البلد نفسه.
كما أن الحدود السياسية القاسية قسمت المنطقة، رغم وجود امتدادات عشائرية وقبلية وثقافية ولغوية وتاريخ مشترك ومصالح مشتركة بين شعوبها. هذه الأنظمة احتكرت الاقتصاد والأمن والحكم، واستمرت في التسلط على شعوبها، واتجهت في كثير من الدول نحو الاستبداد واللاديمقراطية وكتم الأفواه بالأجهزة الأمنية. وأصبح السجن يطال أصحاب الرأي والصحفيين والمفكرين والمعارضين، بدلاً من أن يقتصر على مرتكبي الجرائم والانتهاكات.
لذلك وصلت الدولة القومية إلى أن تصبح عبئاً على شعوبها ومجتمعاتها. ولهذا علينا أن نعيد التفكير في مفهوم الدولة والسيادة والحدود.
كما يمكن الاستفادة من بعض النماذج الموجودة في الغرب، ومنها نموذج الاتحاد الأوروبي، حيث أزيلت الحدود في جوانب عدة، وألغيت الجمارك، وتم التعاون في المجالات الاقتصادية والمشاريع والبرلمان. لا أقول إن هذا النموذج مثالي، لكنه يقدم نموذجاً يمكن الاستفادة منه.
لماذا لا تتجه المنطقة إقليمياً إلى الفيدرالية وإزالة الحدود القائمة، وبناء أنظمة ديمقراطية بدلاً من الدولة القومية الصلبة التي تسعى إلى تسلط شعب على شعب أو بناء دولة على إنكار شعب آخر أو هوية أخرى؟ حينها يمكن أن تكون ملامح الشرق الأوسط الجديد شرق أوسط ديمقراطياً، يعترف بحقوق النساء وحرية المرأة، ويطور الصناعات والإنتاج ويحافظ على سيادة البلاد.
غداً: نوبهار مصطفى: تحرر المرأة والديمقراطية شرطان لبناء السلام في الشرق الأوسط