ناشطة حقوقية: جرائم الشرف يعاد إنتاجها في مثلث الدولة والقانون والأسرة

أعادت جريمة قتل مريم يارمحمدي على يد شقيقها قضية العنف ضد النساء في إيران إلى الواجهة، مسلّطةً الضوء على دور الأسرة في تكريس هذا العنف، وترى الناشطة رضوان مقدم أن القوانين المعمول بها تسهم أيضاً في استمراره وتفاقمه.

شهلا محمدي

مركز الأخبار ـ أثار مقتل مريم يارمحمدي على يد شقيقها في جزيرة قشم الإيرانية ردود فعل واسعة، خاصة بعدما كشفت تقارير ومقاطع فيديو عن تجمع أفراد من أسرتها أمام المستشفى دعماً لشقيقها، ومطالبتهم بالإفراج عنه. أما الجانب الأكثر فداحة في هذه المأساة، فتمثل في أن اسم القاتل وسائر الرجال من أفراد الأسرة وردوا في نعي الوفاة بصفتهم أصحاب العزاء.

لا تمثل هذه الجريمة حادثة معزولة، بل تكشف عن بنية أبوية تربط الشرف والسيادة بالسيطرة على جسد المرأة، وتمنح رجال الأسرة والعشيرة سلطة إخضاعها باسم "الشرف". وفي ظل تواطؤ بعض المحيطين بالضحية، وقصور الدولة والقانون عن حمايتها، يستمر العنف ضد النساء ويتفاقم داخل مثلث الأسرة والمجتمع والدولة.

ولمعرفة أسباب تزايد جرائم قتل النساء، ودور الدولة والقانون والمجتمع في تفاقم جرائم القتل بدعوى الشرف في إيران، كان لوكالتنا مع رضوان مقدم الناشطة في مجال حقوق المرأة والمتحدثة باسم حملة "أوقفوا جرائم الشرف"، الحوار التالي:

 

كيف تقيمين جرائم قتل النساء في ضوء قضية مريم يارمحمدي، وما أبرز العوامل التي تسهم في تفاقم هذه الجرائم؟

من رومينا إلى غزل، وصولاً إلى مريم، تتكرر جرائم قتل النساء يوماً بعد يوم، بأشكال مختلفة من العنف والوحشية. عندما علمت بمقتل مريم يارمحمدي، كان جثمانها لا يزال في المستشفى، ولم يكن هناك موضع سليم في جسدها؛ فقد طعنت في ثدييها وأعضائها التناسلية مراراً. والأشد قسوة أن شقيقها هو من ارتكب الجريمة، فيما تجمع أشخاص أمام المستشفى احتجاجاً على محاولة إنقاذها، متسائلين عن سبب السعي إلى إبقائها على قيد الحياة.

وتشير تفاصيل القضية إلى أن الجريمة دبرت بالتواطؤ مع الزوج. فجرائم القتل بدعوى الشرف غالباً ما تكون مخططة مسبقاً، ويعمل الجاني على استعادة ثقة الضحية أو تهيئة الظروف المناسبة لقتلها.

من الصعب الحديث عن هذه الجرائم، لكن لا بد من مواجهة حقيقتها وهي أن الدولة والقانون والأسرة تشكل مثلثاً تتداخل أدواره في إنتاج العنف ضد النساء واستمراره، فالقوانين الإيرانية لا تردع هذه الجرائم بالقدر الكافي، بل قد تشجع عليها؛ إذ يعلم الأب، مثلاً، أنه قد يعفى من العقوبة بصفته ولي الدم، كما حدث في قضية رومينا أشرفي التي قتلها والدها. لذلك، لا بد من تغيير هذه القوانين التي تمنح الأب سلطة على حياة أبنائه وتفتح الباب أمام الإفلات من العقاب.

وتتحمل الدولة مسؤولية أخرى تتمثل في التعليم؛ إذ تسهم المنظومة التعليمية القائمة على التمييز في إعادة إنتاج ثقافة العنف. أما الأسرة والتقاليد، فتؤديان دوراً مباشراً في بعض هذه الجرائم، كما رأينا في قضيتي غزل ومريم، حيث تورط أفراد من الأسرة في العنف والقتل. وقد تقف بعض النساء، للأسف، إلى جانب الرجال الذين يمارسون السيطرة والعنف. وإذا تضافرت جهود الدولة والقانون والأسرة لمناهضة هذه الجرائم، فمن الممكن إحداث تغيير حقيقي.

وهنا تبرز ضرورة مساءلة مصطلح "جرائم الشرف" نفسه؛ فالضحايا ليسوا نساءً فقط، بل قد يكونون رجالاً أيضاً، ويُقتلون بسبب محاولة السيطرة على أجسادهم وخياراتهم. واستخدام هذا المصطلح يجب ألا يعني تبرير الجريمة باسم الشرف، بل أن يكون مدخلاً لتفكيك هذا المفهوم ومساءلته.

أما تزايد هذه الجرائم، فيرتبط، من بين عوامل أخرى، بارتفاع مستوى وعي النساء وتعليمهن. فبعد أن كانت فرص التعليم محدودة أمام كثيرات قبل الثورة الإيرانية، أصبحت النساء اليوم يشكلن نسبة كبيرة من المقبولين في الجامعات، وقد تجاوزت نسبتهن 60% في بعض الفترات. وفي المقابل، تتصاعد التوترات المرتبطة بتغير أدوار النساء ومكانتهن، في ظل خطابات ثقافية وتعليمية تكرس الهيمنة الذكورية وتربط سلوك المرأة بـ "غيرة" الرجل، كما في بعض الشعارات التي توحي بأن عدم احتشام المرأة دليل على انعدام غيرة الرجل.

إن اجتماع هذه العوامل يغذي موجة متصاعدة من جرائم القتل بدعوى الشرف. والدليل على خطورة الوضع أننا لم نتمكن من توثيق سوى تسع جرائم من هذا النوع خلال الأسبوع الماضي وحده، وهو ما يكشف عن حجم العنف الذي تواجهه النساء وضرورة التصدي لجذوره القانونية والاجتماعية والثقافية.

 

كيف اكتسبت المؤسسة الأسرية هذه القداسة التي تجعلها بمنأى عن النقد والتدخل، حتى عندما تتحول إلى مصدر للعنف والخطر على النساء؟

للأسف، توجد بعض التقاليد والمعتقدات الخاطئة لدى عدد من العشائر، ووفقاً لها، يجب أن تكون المرأة مطيعة، وتتعامل معها باعتبارها جزءاً من "شرف العائلة". وتتجلى هذه العقلية في الثقافة السائدة واللغة اليومية، ما يجعل من الضروري إخضاعها للنقد والتحدي.

وتغيير هذه الثقافة الصارمة والمنغلقة يتطلب جهود متواصلة، خصوصاً أن بعض الممارسات، بما فيها المتعلقة باللباس والاحتشام، تقدم بوصفها جزءاً من الشرف والقيم التي لا يجوز المساس بها. والأخطر أن بعض النساء قد لا يدركن حجم العنف الواقع عليهن، بل قد يبررنه أحياناً نتيجة التنشئة الاجتماعية.

لذلك، يعد التعليم مدخلاً أساسياُ لمواجهة هذه المعتقدات، في ظل تقصير الدولة في هذا المجال، ما يجعل مسؤولية التغيير جماعية. وقد أظهرت تجارب بعض البلدان، مثل آيسلندا، أهمية الجهود المستمرة في مواجهة العنف القائم على ما يسمى الشرف.

ووفقاً لبيانات أممية عن عام 2022، قُتلت نحو 76 ألف امرأة حول العالم، فيما قدرت حالات قتل النساء والفتيات على يد أفراد الأسرة بنحو 48,800 حالة، مع تسجيل أعداد مرتفعة في آسيا وأفريقيا.

 

لماذا تحاط جرائم القتل بدعوى الشرف بحساسيات عرقية ودينية تعيق كشف حجمها الحقيقي، رغم أنه لا مبرر لربط سمعة المجتمع بجسد المرأة؟

ترتكب جرائم القتل بدعوى الشرف في مختلف أنحاء إيران، لكننا نفتقر إلى إحصاءات دقيقة، خصوصاً في المناطق التي لا ينشط فيها المدافعون عن حقوق المرأة، حيث لا تصل أخبار هذه الجرائم إلى الإعلام. فعلى سبيل المثال، نادراً ما تُنشر أخبار هذه الجرائم في محافظة سيستان وبلوشستان، ما يجعل الأرقام المتاحة أقل بكثير من الواقع. ورغم تسجيل حالات أكثر في طهران، فإن معدلها نسبةً إلى عدد السكان قد يكون أقل من نظيره في مدن أخرى.

وتكشف تجاربنا أن هناك ضغوطاً لإبقاء هذه الجرائم طي الكتمان، خشية أن تسيء إلى صورة المنطقة. ففي إحدى الفعاليات، تحدثت امرأة من أذربيجان عن مطالبتهم بعدم نشر الأخبار لهذا السبب. وهذا يشبه ما يحدث داخل بعض الأسر، حين تخفى الجرائم ويمنع الحديث عنها. إن التستر على هذه الجرائم يساهم في حماية مرتكبيها ويفتح المجال أمام استمرار العنف.

ومع اتساع حركة التنقل والهجرة داخل إيران، لا يمكن حصر هذه الجرائم في جماعة أو منطقة بعينها. والأهم ألا ينصرف النقاش إلى الانتماءات العرقية أو الجغرافية، بل أن يتركز على إدانة الجريمة ومحاسبة مرتكبيها، بصرف النظر عن هويتهم أو انتمائهم.

 

ما مسؤولية الأفراد في مواجهة هذا العنف؟ ولماذا ينحاز من يفترض أن يحموا الضحايا ويدعموهم إلى المعتدي بدلاً من مساندتهم؟

يتحمل كل من يشجع هذه الأفعال مسؤولية عنها، كل بحسب دوره. فليس بالضرورة أن يكون جميع الحاضرين قد طعنوا مريم بالسكين، لكن بعضهم أسهم في تهيئة الظروف التي أدت إلى مقتلها. وكل من برر قتلها أو اعتبر أنها تستحق الموت يساهم في ترسيخ العنف وتهيئة الظروف لتكرار هذه الجرائم.

وفي المقابل، قد يكون غياب التوعية أحد أسباب تبنّي هذه المعتقدات؛ فلو أدرك هؤلاء أثر مواقفهم وتصرفاتهم في تأجيج العنف، لربما اختلفت استجاباتهم. من هنا، تبرز أهمية التعليم والإعلام والمدرسة والأسرة في نشر الوعي وترسيخ ثقافة المساواة بين الجنسين، بدءاً من المنزل وصولاً إلى المؤسسات التعليمية. وتقع على عاتق الدولة مسؤولية أساسية في هذا المجال، إلى جانب مسؤولية كل من يستطيع المساهمة في توعية المجتمع والحد من العنف، منعاً لتكرار مثل هذه المآسي.