حقي أن أكون أنثى...

حنان حارت
استيقظت صباحاً كالعادة... أشعلت المذياع، وبدأت ارتشاف قهوتي وفي الآن نفسه شرعت في تصفح الجرائد، أمعن فيما يتساقط علي من أخبار، فلم يكن هناك من جديد فيها؛ وضعت الجريدة جانباً أطفأت المذياع، وحولت الوجهة إلى التلفزيون لمتابعة فيلم أو شريط وثائقي، فلم أجد ما يشدني؛ فوسائل الإعلام هذه الأيام تتناقل أخبار جائحة كورونا، وبينما لم أجد ما أشحن به طاقتي الصباحية، بدأ الملل يتسلل إلي.
وهكذا لم يكن أمامي غير الارتماء في حضن الذاكرة؛ أيام كنت طفلة، لعلني أجد ضالتي في ذلك الزمن الجميل، تذكرت يوم كانت ابنة الجيران تأخذ مني "لعبتي" قسراً، فألملم دموعي وأهرع باتجاه والدتي أبثها شكواي، وكان وعد منها يكفيني للدفاع عن حقي المهضوم، وكانت لي ثقة بأنها ستسترجع لي ما تم نزعه مني.
فكري لم يمهلني الخوض في طفولتي البريئة، فسرعان ما عاد بي إلى حيث أنا؛ وبينما كنت أتأمل وجدت نفسي مرة أخرى ضحية جرد؛ لما تحقق ومالم يتحقق من أحلام، ونحن على بعد أيام من اليوم العالمي للمرأة.
ماذا حققت أنا وبنات جنسي؟ وماذا استعصى علي تحقيقه من أحلام كانت بالأمس القريب أقرب منها إلى الخيال بمنطق اليوم، حيث كنت أمني النفس في الارتباط برجل يراعيني كأميرة وأنجب منه أطفالاً كثر كانوا في نظري أصدقاء أكثر منهم أبناء سأتحمل مسؤوليتهم؛ كنت أحلم في أيام الصبا أني ألعب معهم، أتشاجر وإياهم على لعبتي المفضلة.
كانت أقصى أحلامي أن أكون امرأة سعيدة، لها زوج وأطفال، ذلك كان سقف أحلامي، لم أكن أعي أنه يلزمني أن أعمل كثيراً لأجل حياة كريمة.
ففي ذلك العمر الجميل من الطفولة لم أكن أفقه شيئاً عن المساواة، لم أكن حينها أعي معنى المناصفة، ولا تمثيلية المرأة في السياسة، ولا التمكين الاقتصادي للمرأة، ولا الشعارات المناهضة للعنف، كان سقف أحلامي أن أصبح ربة البيت التي عليها أن تراعي بيتها، من دون أنين ولا شكوى.
ألست اليوم امرأة؟ زوجة وعاملة؟ لدي واجبات كثيرة، لكن ماذا عن حقوقي؟
تمعنت طويلاً في سؤالي هذا؛ فلم أجد من جواب غير أنه ماتزال حقوقي ضائعة بين مشاغلي اليومية التي تبدأ في الصباح الباكر، حيث أكون أول من يستيقظ في البيت، وآخر واحدة تضع رأسها على الوسادة لتهمد من شدة التعب.
فعلاً كبرت؛ لكن أحلامي لم توازي سنواتي؛ حيث لم تكبر بحجمها الطبيعي وما تزال ناقصة كثيراً، فليست حقوقي مختصرة فقط في حقي بالعمل ومساواتي بالرجل ومشاركته مهامه؛ حقوقي أكبر من ذلك وأحلامي كامرأة أكبر من ذلك، لأني شاركت الرجل مهامه ولم يشاركني بدوره مهامي، لأجد نفسي أضاعف متاعبي فقط، حيث أعمل مثل "الآلة" في البيت وفي العمل إلى حد لا أجد وقتاً لأغير تسريحتي ولا أشتري عطراً غير الذي تعودت عليه.
تلك حقوقي؛ حقي في أعيش امرأة لها حقوق وفق ما يضمن لها حياة كريمة، وليس تلك الحقوق التي تجرد المرأة من أنوثتها وتجعلها تؤدي وظائف تخلى عنها الرجل ليرمي بها على عاتق المرأة.
أجد تلك حقوقي وحقوق كثير من النسوة اللواتي تجدهن تناسين أنهن نساء، لأنهن يُعلن أبناءهن وصرن آباء وأمهات حتى في وجود الأب، الذي صار في كثير من الأسر أباً بيولوجيا فقط، هذا من دون أن نتحدث عن أولئك النسوة اللواتي يتسمرن صباح مساء أمام أبواب المحاكم ينتظرن ما ستجود به الأحكام القضائية من نفقة، وأيضاً النساء المطلقات اللواتي يفنين العمر على أبنائهن، لكن لا يحق لهن بالمقابل حتى الحصول على تأشيرة سفر مع أبنائهن شرط موافقة أب تخلى عن دوره الطبيعي.
حقوقي ضائعة وحقوق بنات جنسي أيضاً؛ فليست في راحة بال لا المرأة المتزوجة العاملة ولا المطلقة ولا العانس ولا الأرملة؛ معاناة مستمرة ولن تجد لها الاتفاقيات الدولية من مخرج، إن لم نتكاثف نحن النساء لانتزاع حقوقنا التي يجب أن توافق طبيعة مجتمعنا وخصوصيتنا كمجتمع مغربي وعربي.