الحرب اللبنانية التي عشتها في طفولتي أثرت على حياتي كامرأة

كريستيان واكد
الحرب التي بدأت في عام 1975 وانتهت في 13 أكتوبر1990، سرقت طفولتي كلها وتركت آثاراً نفسية سأحملها معي طوال حياتي. 
اليوم كمحللة سياسية، لا يسعني إلا التفكير في مدى عدم جدوى وعبثية وشر الحرب اللبنانية. ولا يسعني إلا أن أستاء من حقيقة أن نفس القادة اللبنانيين الفاسدين والجشعين والمذهبيين لا يزالون في السلطة مستخدمين نفس الأساليب لزرع الخوف والتأثير على أذهان الجيل الجديد الذي لم يعش الحرب، والذي يستطيع أن يقودنا بسهولة إلى تكرار نفس أخطاء الماضي. لذا أتوجه اليوم بعمودي إلى هؤلاء الشباب، وأناشدهم ألا يقودوا البلاد إلى حرب أخرى حمقاء وعديمة الجدوى. لا يوجد شيء إيجابي في الحروب وهذه الاخيرة هي أحد أكبر الأخطاء البشرية.
ولدت عام 1979 والدتي انجبتني في ملجأ المستشفى. كانت ليلة عصيبة حيث كانت تمطر الصواريخ والقذائف. نشأت في عين الرمانة، إحدى أكثر المدن تضرراً في الحرب اللبنانية، وهي المدينة التي بدأت فيها الحرب عندما فتح فصيل مسيحي النار على حافلة تقل فلسطينيين كعمل انتقامي أدى إلى سلسلة لا نهاية لها من الأعمال الانتقامية.
بدأ كل شيء أثناء افتتاح كنيسة سيدة الخلاص في عين الرمانة. وأطلق بعض المجهولين النار وقتلوا وجرحوا عدداً من المؤمنين خلال المراسم، من بينهم عضو في الكتائب جوزيف بو عاصي.
في نفس اليوم، كانت العديد من الحافلات تقل الفلسطينيين إلى صبرا وشاتيلا، حيث كانوا يستعدون لحدث ما. على الرغم من التحذير الصادر للحافلات بعدم المرور عبر عين الرمانة، إلا أن حافلة مرت ثم انفتحت أبواب الجحيم.
هذا الحادث الدموي، الذي أصبح يعرف باسم "مجزرة الحافلة"، أثار الكراهية الطائفية وانعدام الثقة، وأثار قتالاً عنيفاً في جميع أنحاء البلاد بين قوى تنظيم الكتائب والفدائيين الفلسطينيين وحلفائهم
في غضون ثلاثة أيام فقط، كان هناك أكثر من 300 قتيل
غالبًا تعود عليَ ذكريات تلك الحرب، مثل عندما كانت والدتي توقظني من نومي، وتغطي أذني من أصوات الصواريخ، وتركض بنا إلى الملجأ.
 لقد شاهدت أشياء كثيرة مروعة وأحياناً لا أعرف ما إذا كانت هذه الأحداث قد حدثت أو أن ذاكرتي تخدعني. أحياناً أتساءل عما إذا كانت كوابيسي حقيقية، وإذا كانت الصور التي خرجت من ذهني حقيقية.
ما أستطيع أن أتذكره بوضوح، هو أنني بسبب الحرب والخوف ظللت أبلل سريري حتى بلغت السابعة من عمري وكان هذا يسبب لي شعوراً كبيراً بالعار. أتذكر ايضاً أنني كنت أعاني من عدم القدرة على القراءة بسهولة بسبب صعوبة التركيز. 
من الذكريات التي تبدو واضحة لدي هو سؤالي لوالديّ، عندما كنت في العاشرة من عمري لماذا قرروا انجابي في وسط هذا الجحيم؟، خاصة أننا كنا نعيش في أفظع مدينة في لبنان والأكثر تعرضاً للقصف. لقد أزعجني جهل والدي في ذلك الوقت، والآمال الزائفة لوالدي الذي اعتقد أن الحرب لن تستمر طويلاً. أتذكر أيضاً هشاشة والدتي التي عاشت في حالة إنكار طيلة فترة الحرب، حيث كانت تهرب من خلال حبوب الأعصاب حتى لا تواجه الواقع الرهيب، أنه في أي يوم، وفي أي وقت، يمكن أن تقتل قنبلة أحد أطفالها. دعوني أخبركم ما تفعله الحرب على المدى الطويل. إنها تدمر العائلات وتقطع صلة التواصل فيما بينها، حيث يتكيف الجميع مع الحقيقة التي لا توصف. وهذا هو المكان الذي يبدأ فيه الإدمان. يهرب البعض عن طريق الكحول، والبعض الآخر عن طريق المخدرات. كانت حالتي أقل فتكاً، وكنت أهرب من خلال الادمان على الطعام. حتى اليوم، أحارب الشراهة القهرية. اعتدت أن أستيقظ في الليل مع نوبات قلق شديدة لا يمكن تهدئتها إلا من خلال النهم الذي لا يمكن السيطرة عليه. انا لا أحب الأكل، إنما هي طريقتي الوحيدة لإسكات الأصوات في رأسي والصور التي تعيدني إلى الماضي الأليم.
لقد حطمتني الحرب في صميمي. اعتاد أستاذي في الجامعة أن يخبرني أن لديّ روح حساسة للغاية ومتعاطفة يمكن أن تتأذى بسهولة مدى الحياة. يمكن أن أشفى من جروح الحرب النفسية وممكن أن تبقى معي هذه الجروح لمدى الحياة. الكتابة هي إحدى الأدوات التي يمكن أن تطرد شياطين الماضي مني، لكن هذه الشياطين موجودة دائماً في الزاوية التالية من أفكاري وتكون في انتظاري، تسخر مني حتى لمحاولتي الهروب، وتذكرني في كل ثانية من حياتي بخطأ والدي الساذجين الذين اعتقدا أن الحرب الأهلية اللبنانية لن تستمر سوى بضعة أشهر. بالطبع، ذهبت إلى العلاج وتم تشخيصي بمصطلحات مثل اضطراب ما بعد الصدمة المعقد (CPTSD) وعرفت ما مررت به طوال حياتي، لكن حتى الآن لم أتعافى تماماً. اليوم، بينما الوضع في لبنان متأزم جداً، أتذكر صلاة للقديس فرنسيس: يا رب، اجعلني أداة سلام. أريد أن أكون أداة سلام بسيطة حتى لا يشهد أي إنسان مدى فظاعة الحرب. لا شيء جيد يمكن أن يخرج من الحرب. لذا من فضلكم، الأشخاص المتحمسون الذين يعتقدون أن الحرب يمكن أن تغير أي شيء، أتوسل إليكم أن تحاولوا التفكير في طرق أخرى، والتي يمكن أن تنقذ حياة الأبرياء من هذا الجحيم، لأن الحرب تدمر، تقتل، وتفتك ليس فقط في زمن الحرب بل أن آثارها تبقى لمدى الحياة.