المرأة السودانية مجد الكنداكات وإصرار الحفيدات

شاديا عبد المنعم
أدهشت المرأة السودانية العالم بمشاركتها الواسعة إبان ثورة ديسمبر المجيدة، وصدحت الأصوات النسائية في سماء الخرطوم مطالبةً بالحرية والسلام والعدالة، حيث قُدِرت مشاركة النساء بـ 70% من الثوار وكانت تتقدم الصفوف معبرةً عن حقها وقدرتها على المشاركة العادلة. استلهمت من التاريخ السوداني لقب "كنداكة" في إشارة لحضور المرأة في الثورة السودانية المجيدة كما كانت حاضرة في تاريخ السودان. 
ومنذ ما قبل الثورة، والحركة النسائية السودانية لا تتوقف عن تقديم التضحيات، والعمل من أجل وحدة الجماعات النسوية لتحقيق أهدافها. وتشير مجريات الأحداث الأخيرة، إلى أن الثورة النسائية في السودان متجددة في مطالبها وروحها الثورية. فكيف تجددت الثورة النسائية؟
 
إشراق عبر التاريخ للحركة النسوية السودانية
شهد التاريخ حضور النساء السودانيات في مختلف العصور في الفضاء العام منذ الممالك القديمة، حضوراً أخذ أشكال مختلفة منها الشعر والغناء الحماسي ومنها التخطيط والحكم وحتى العصر الحديث حيث شهدت أربعينات القرن الماض بدايات تشكل هذا الحضور في حركات نسوية منظمة حيث كونت عدد من الفتيات "رابطة الفتاة المثقفة" التي تأسست على يد فاطمة طالب إسماعيل والدكتورة خالدة زاهر. وخلقت المنظمة مجموعات نسائية مناهضة للاستعمار أسست لحركة سياسية منتصف الأربعينات. حيث شاركت المرأة السودانية في الأحداث السياسية التي عايشها السودان ما قبل الاستقلال، ومثلت خريجات المدارس الإرسالية والأهلية والحكومية، النواة الأولى للحركة النسوية السودانية.
انضمت للحركة النسوية النساء المتعلمات من المدن الكبيرة، ونساء الموظفين الحكوميين وكبار ضباط الجيش مكونات عدد من الجمعيات. ولاحقاً تكون الاتحاد النسائي في العام 1952، الذي ضم نساء من الحزب الشيوعي وحركة الإخوان المسلمين وعدد كبير من النساء الغير منظمات سياسياً في أحزاب. قاد الاتحاد النسائي موجة وعي عالية حيث قرر أن يطالب بالحقوق كلها على رأسها المطالب السياسية الشيء الذي دفع بالنساء الإسلاميات إلى الخروج منه لاعتراضهن آنذاك على مشاركة المرأة في العمل السياسي. وبعد عامٍ واحد من تأسيس الاتحاد نجحت المرأة في انتزاع حق التصويت للمرأة، وتواصلت مجهودات الاتحاد النسائي عقب ثورة 21 تشرين الأول/أكتوبر 1964 بدخول أول امرأة منتخبة للبرلمان "فاطمة أحمد إبراهيم" عام 1965، وتوج نضالهن بالحصول على حق الأجر المتساوي للعمل المتساوي والمساواة في التعليم حيث لم يكتفين بالمطالبة وإنما أسسن المدارس لتعليم البنات بالجهد الذاتي كمدارس الأم في الخرطوم. ودعم الاتحاد النسائي نشاطه بإصدار مجلة "صوت المرأة" التي استمرت في الصدور حتى اليوم رغم القمع.
وفي عهد الدكتاتور جعفر نميري، تم حل الأحزاب السياسية والاتحاد النسائي ومنع قيام منظمات المجتمع المدني، ومع ذلك لم تستسلم النساء فخاضوا المقاومة واستمر الاتحاد النسائي في العمل رغماً عن قرار الحل بل وابتدعت النساء أشكال التنظيم في الأحياء حيث أسسن جمعيات ربات البيوت المطلبية والخدمية. 
 
اضطهاد النساء خلال حكم النظام المُباد
بوصول الدكتاتور عمر البشير عقب انقلاب الإسلاميين في حزيران/يونيو 1989 بدأت حقبة غريبة الملامح في إعادة تشكيل المجتمع السوداني وفق مشروع الحركة الإسلامية العالمية وكان ذلك المشروع يهدف الى تغيير تركيبة ومزاج السودانيين فضرب النظام كل ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في السودان فحارب الثقافة وقمع الأحزاب السياسية وقام من بداياته بالتركيز على النساء ولم يكن هذا التركيز من فراغ إنما بوعي تام لأهمية المرأة كزوجة وأم وأخت ومناضلة وتجلى هذا التركيز في محاولة مضايقة النساء في الفضاء العام بغية إرجاعهن لحوش الحريم فقام النظام بسن ترسانة من القوانين المهينة للمرأة مثل التعديلات في قانون الأسرة الذي شرع تزويج الفتيات من سن العاشرة والتعديلات على القانون الجنائي بسن المواد من 150 إلى 154 وسن ما يعرف بقانون النظام العام الذي ركز على أزياء النساء فمنع ارتداء البنطال بل وحدد الزي بالعباء السوداء فيما يعرف لديهم بالزي الإسلامي وتمت ملاحقة النساء والفتيات في الشوارع وتقديمهن للمحاكمات الإيجازية والحكم عليهن بالسجن والجلد وتنفيذ العقوبة على الملأ. فتضررت من هذه القوانين النساء بشرائحهن المختلفة لكن وقع القهر الأكبر على النساء من الشرائح الأضعف مثل بائعات الشاي والأطعمة في الأسواق وهن في الغالب من الفئات الفقيرة اللاتي نزحن من مناطقهن بسبب الحرب والضائقة المعيشية حيث تعرضن هناك للاغتصاب أو الموت أحياناً واضطرت الناجيات إلى النزوح إلى المدن الكبيرة حيث وجدن أن المهرب أيضاً جحيم في ظل هذه القوانين. والجدير بالذكر أن الناشطات أيضاً تعرضن للقمع بهذه القوانين إضافة للاعتقال والاغتصاب والتحرش الجنسي كسلاح بغية تخويفهن وكسر مقاومتهن. بذالك يمكننا القول أن الثلاثة عقود الماضية في ظل النظام المباد كانت ردة كبيرة في أوضاع النساء الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مما جعل الغبن يتراكم وسط النساء خاصةً المتعلمات. 
 
كيف واجهت النساء هذا القهر
استناداً على الإرث النضالي للنساء السودانيات فقد تقدمت الطليعيات منذ بداية تسعينات القرن الماضي بتجميع صفوفهن لمقاومة نظام الإخوان المسلمين بوعي تام لعداوته الواضحة للنساء فتكون تجمع من النساء من تنظيمات سياسية مختلفة باسم التجمع الوطني للنساء السودانيات وقاد احتجاجات ضد تفويج الأطفال إلى مناطق النزاعات وقدمن مذكرة إلى مندوب الأمم المتحدة في موكب واجهه النظام بقمع شديد وقدم عدد من القياديات للمحاكمات الفورية وحكم عليهن بالسجن والجلد. وكانت هذه علامة فارقة في نضال النساء ضد حكم البشير حيث اعتبرت النساء هذا النظام عدو للمرأة. فتشكلت منذ ذلك التاريخ عدد من الأجسام والتجمعات المقاومة حيث أسست الناشطات عدد من الجمعيات التي عملن من خلالها على رفع الوعي وسط النساء بضرورة المقاومة النسائية لنظام البشير وكانت النساء تختار المعارك بعناية وتخوضها بإصرار وشجاعة فانتظمت حلقات المقاومة ضد فرض العباءة السوداء على النساء وبل إقامة الورش والندوات لنقد قانون النظام العام مما اضطر النظام الى تغيير اسم القانون إلى قانون أمن المجتمع لكن استمرت محكمة النظام العام في العمل بذات أدوات القهر مستلفة القوانين لمحاكمة النساء من القانون الجنائي خاصة المادة 152. كما استمر النظام في محاولات قمع النساء وتحجيم دورهن إذ قام في العام 2000 والي ولاية الخرطوم "مجذوب الخليفة" الإسلامي المعروف بسن قانون محلي يمنع عمل النساء إلا في التمريض والتدريس مما جعل النساء يتوحدن ضده في معركة باسلة استخدمن فيها كل وسائل النضال من ملصقات وقصاصات تندد وتعد بمقاومة هذا القانون كما أقمن الندوات وخرجن في مواكب وتقدمن بطعن للمحكمة الدستورية وتكونت آنذاك لجنة التضامن مع المرأة السودانية التي تواصلت مع عدد من التنظيمات النسوية حول العالم مما تسبب في فضح النظام وإجباره على التراجع. 
تواصلت نضالات النساء ضد النظام البائد طوال الثلاثين عاماً فلم يفوتن فرصة للمواجهة معه إلا اغتنموها وكلما زاد القمع كلما تنظمت مقاومة النساء ضده حيث تكونت مبادرة "لا لقهر النساء" وهي مجموعة الضغط الأولى من نوعها حيث اتحدت فيها النساء من تنظيمات سياسية مختلفة يمينة ويسارية وناشطات غير منضويات تحت أحزاب سياسية تكونت هذه المبادرة تزامناً مع محاكمة الصحفية لبنى أحمد حسين مع 12 فتاة أخرى بتهمة ارتداء البنطال في العام 2009 وفي كل هذه المعارك لم يغب الاتحاد النسائي ولا التنظيمات النسائية الأخرى بل تمكنت النساء السودانيات من تكوين أجسام مقاومة وتحالفات كبيرة. 
 
مشاركة النساء في الثورة 
القهر الممنهج الذي تعرضت له النساء السودانيات طوال ثلاثة عقود ولد غبن تراكم عبر السنين كما أن المقاومة المنظمة التي واجهت بها النساء هذا القهر راكم لديهن تجربة كبيرة في التنظيم والقدرة على ابتكار وسائل وأجسام للمقاومة وهذا ما يفسر الدور الكبير والمنظم في مشاركتهن في الثورة. 
 
النساء بعد الثورة
تاريخياً لعبت النساء دوراً مفصلياً في الحياة السياسية في السودان خاصةً في الثورات العظيمة كثورة تشرين الأول/أكتوبر 1996 وثورة نيسان/أبريل 1985 والشاهد على ذلك مشاركتهن في المظاهرات والنسبة العالية للتصويت في الانتخابات التي أجريت بعد الثورتين مما يوضح أن حكومات ما قبل الثورات أتت محمولة على أكتاف النساء وعلى نضالاتهن. والآن رغم الدور الكبير الذي لعبته النساء في ثورة كانون الأول/ديسمبر 2019 والذي شهد به كل العالم إلا أنه لم يحقق أي مكتسبات للنساء على أرض الواقع سوى المدح في المناسبات المختلفة حيث بقيت ترسانة القوانين المهينة للنساء كما هي والأسوأ أن الحكومة الانتقالية تجاهلت النساء تماماً مما يشي بأن النخب السياسية في السودان ظلت تحت سطوة العقلية الذكورية حيث رفض تحالف قوى الحرية والتغيير مشاركة النساء بشكل صريح بل وطلب منهن بكل صلف أن يتوحدن تحت جسم واحد ليتمكن من الحصول على مقعد في المجلس المركزي في تجاهل صريح من المجلس المركزي لطبيعة الحركة النسائية في السودان وعدم فهم التباينات والاختلافات الطبقية والاجتماعية والسياسية. كما أن رئيس وزراء الحكومة الانتقالية تعامل بذكورية واضحة حيث أنه كان يختار بعض النساء لتعيينهم في حكومته فقط ليخبر العالم أنه يهتم لأمر النساء وفي الحقيقة أن الاختيارات غير أنها لا تأخذ رأي النساء في الاعتبار فإنها تمثل وجهة نظره الشخصية والتي لا تعني جماهير وتنظيمات النساء في شيء.
وبعد الانقلاب الذي قام به المكون العسكري للحكومة الانتقالية بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان والذي باركه رئيس وزراء الحكومة الانتقالية الدكتور عبد الله حمدوك، خرجت النساء مرة أخرى للشوارع في صفوف الثوار لمناهضة الانقلاب مما يعني أن نضال النساء السودانيات لأجل الحرية والسلام والعدالة هو أمر جوهري وحتمي وأن شجاعتهن في مواجهة القمع الدموي وتقديم الشهيدات لأجل غدٍ أكثر عدالة هو الهدف الاستراتيجي.
 
لماذا نحتاج لثورات نسائية؟
من الجلي أن النساء السودانيات قادرات على تحديد أهدافهن والنضال الدؤوب لأجلها مما يجعل الحاجة إلى ثورة نسائية تضع مصالح النساء في قمة الأجندة السياسية بالضغط على التنظيمات والأحزاب السياسية بتبني مواقف واضحة تجاه مصالح النساء وبفرض الأجندة النسوية على واقع النضال اليومي والعمل على الوصول لمراكز صنع القرار بتكتيكات ذكية انطلاقاً من القواعد الثورية كلجان المقاومة والنقابات والاتحادات المهنية والأحزاب السياسية واستصحاب القضايا كتوفير الحماية للنساء بمناطق النزاعات من العنف، خاصةً العنف المعنوي والجسدي والهيكلي المتعلق بالفرص الاقتصادية وإمكانية الوصول للموارد، إضافةً للعنف المنزلي ومختلف مظاهر الانتهاكات. ومواجهة ضعف الدور الحكومي المتمثل في غياب قانون يجرم العنف المنزلي، وغياب دور الإيواء والسياسات الواضحة لحماية النساء. والضغط لوضع استراتيجيات واضحة وأجندة عمل. كما عليهن مواجهة التحفظات على مواد أساسية باتفاقية "سيداو" وهي المواد (2) و(16) تلك التي تتحدث عن المساواة داخل العائلة، حيث أنه وبعد التوقيع على سيداو مع التحفظات إلا أنه هناك فراغ بين الالتزامات الدولية والقوانين المحلية. مع تجاهل الدولة للاستجابة السريعة لحالات العنف تجاه النساء.
لكن يمكن التأكيد على وجود مجهودات نسوية، مع وجود عوائق بطريقها، كالعائق الاجتماعي "أين تقع قضايا النساء؟" وتجاهل القضايا النسوية من المجتمع متبوع من الدولة. مع ملاحظة إن غياب البرلمان الانتقالي الذي يمثل أداة مهمة لعكس قضايا المجتمع وتوجهات الدولة العامة، أثر على مطالب الحركة النسوية.
نضالات النساء اليومية ومشاركتهم الفاعلة في رفض الانقلاب وما يترتب عليه، يعتبر مؤشر جيد إن قضايا المرأة محروسة، وبالمقابل تدل على مؤشر سيء من جانب القوى السياسية والمؤسسات الرسمية حيث يتم تجاهل قضايا النسوية.
 
ثورة نسوية مستمرة
يمكننا القول أن الثورة النسوية "ثورة متجددة ومستمرة"، إن مشاركة النساء الواسعة في ثورة كانون الأول/ديسمبر 2018، كانت وليدة غبن تاريخي متراكم منذ العام 1989 حيث عانت النساء طيلة (30) عاماً من تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وقضايا العدالة والسلام.
الجدير بالذكر أن الثورة النسوية السودانية ليست خارج سياق التاريخ، حيث تفجر كل هذا الغبن في لحظة تاريخية، حين قررت كل فئات الشعب الخروج للشوارع وإسقاط نظام القهر. وبعد عامين من الثورة نجد أن القضايا التي قامت لأجلها الثورة ما زالت تراوح مكانها، وشعارات الثورة لا زالت مرفوعة والمطالبة بتحقيقها لا تزال مستمرة، ما يجعل الثورة متجددة ومستمرة. وهو ما تؤكده المواكب والاحتجاجات التي تنتظم البلاد طوال أكثر من عامين، وسقوط الشهيدات والشهداء يؤكد بأن الثورة النسائية الشعبية مستمرة إلى حين تحقيق كافة مطالبها.