الردود الصامتة على التحرش

سناء العلي
إن احدى المواضيع التي تطرح اليوم على نطاق واسع في العالم هي ظاهرة التحرش الآخذة بازدياد وهي ذاتها ومنذ سنين موضوع لجلسات النساء يتحدثن فيها عن تعرضهن للتحرش في الشوارع والأسواق وأماكن العمل وحتى في المنزل منهن من يفاخرن به كدليل على مدى جمالهن بينما تستنكره نسبة كبيرة منهن ويخشين من البوح باعتبار أنهن مسؤولات عن ذلك بشكل أو بآخر فالمجتمع يحملهن المسؤولية ويحكم عليهن بشكل مسبق. 
المتحرش بهن يخشين التصريح وإعلام أحد ذكور العائلة خوفاً من اعطاء فرصة للرجل من التحكم بحريتهن من خلال منعهن من الخروج بحجة حمايتهن أو تحميلهن المسؤولية وبزعم الخوف على شرف العائلة وهو ليس إلا جسد المرأة برأيهم.
تصدر احصائيات كثيرة في كل عام عن نسب التحرش في بلد أو منطقة ما لكن باعتقادي أنه لا توجد امرأة لم تتعرض للتحرش وعلى ذلك فإن نسبته تصل لـ 100 بالمئة ويحدث للنساء بشكل متكرر وليس مرة في الحياة فطالما استمرت النظرة للمرأة على اعتبار أنها جسد ستسمر هذه الممارسة.  
قالت لي إحدى السيدات بُغية نصحي إن النساء لا يمتلكن حياة آمنة في هذا الزمن وأكدت لي أنها تعرضت للتحرش من فتية بعمر احفادها وقالت بثقة أنهم يتناولون حبوب مخدرة ولولا ذلك لما أقدموا على هذا الفعل المشين، لا عجب من رأيها وتبريرها لسلوكهم فهي غير معتادة على جيل لا يحترم الكبار فامرأة يتجاوز عمرها الستين عاشت شبابها في بيئة لا ينتشر فيها التحرش بهذا الشكل الذي بلغ أقصاه، كما أنها لا تعلم أن التحرش أصبح ظاهرة منتشرة حتى في الأماكن الأكثر رقياً كالجامعات والمستشفيات وبين الفئة المتعلمة حقوقيون واساتذة وحتى رجال دين فالتحرش ليس لكونهم غير واعين لتصرفاتهم أو لديهم رادع يمنعهم من التحرش لكن اعتبار المرأة كـ شيء بلغ ذروته في عصرنا الحالي بغض النظر عن التطور في التكنولوجيا والمعلومات وشعارات الحرية والمساواة.
لا يمكن التغاضي عن التحرش فهو بوابة للاغتصاب، ملابس المرأة أو تصرفاتها ليست سبباً في حدوثه، كما لا يشكل مستوى تعليم الرجل أو عمره رادعاً لكثير من الذكور فالمتحرشون يظنون أن لهم سلطة على أجساد النساء متذرعين بملابسهن أو بالضغوط التي يعانون منها عائلية كانت أم مجتمعية، وذريعة الكبت الجنسي في المجتمعات الشرقية، بينما نجد التحرش في المجتمعات الغربية التي لا تعاني الكبت الجنسي، وهو ما ينفي هذه الحجج. 
من أشكال التحرش الجنسي ما يقوم به الرجال الكبار في السن لاستغلال الطفلات الصغيرات فيغرونهن بشراء الأطعمة اللذيذة وبسبب عمر المتحرش لا يدخل الشك إلى قلوب الأهل بل يعدونه كشقيق أو أب لها، ولا تعرف الفتاة عن الجريمة التي تحدث سوى أنها ترفض الذهاب مع هذا الرجل مما يظنه الأهل خجلاً لا أكثر.
هذا ما يحدث مع الأطفال الذكور أيضاً فبعض المتحرشين يخشون من مس عذرية الفتيات فيتحرشون بالفتية ويعتدون عليهم كونه أسلم لهم كما يعتقدون أو لإصابتهم باضطراب عشق الأطفال (البيدوفيليا).
يتمادى المتحرشون مع المطلقات والأرامل حيث يصل التحرش اللفظي إلى جنسي فيتعاملون معهن كفاعلي خير ومن تقابل طلبهم بالرفض تتعرض للإهانة كالقول بأنها بضاعة مستعملة رماها صاحبها، من الذكور من يستغل الأرامل خاصة التي تعيل أطفالها. 
يتحرش ذوي السلطة بالنساء الباحثات عن عمل منهن من يرضخن لطلباتهم ويرغمن على أن يكن تحت أمرتهم لحاجتهن للعمل كالقول بأن "الحياة تسير بهذا الشكل ولا مكان لأصحاب المبادئ فيها" هذا التحرش لا يأخذ شكلاً مباشراً في معظم الأحيان فالموظفون يكتفون بالتمليح خوفاً على سمعتهم حتى يضمنوا استجابة المرأة. 
هناك نساء مجبرات على الرضوخ والقبول بهذه الصفقة كونهن معيلات لأسرهن أو لأملهن بالتخلص من وصاية العائلة وتحقيق الاستقلال المادي وإنهاء جحيم البطالة والاتكال على العائلة وتحكمها بهن، والكثير منهن لا يقبلن بهذه الصفقة ويتمسكن بمبادئهن.  
في الشوارع يردد المتحرشون على مسامع النساء اللواتي يمشين أمامهم كلمات ذات محتوى جنسي خادش للحياء لا تستطيع المرأة الرد عليه، إحداهن قالت لي أنها عندما ردت على المتحرش ليتوقف عند حده قلب الموقف ضدها وقال إنه لم يتفوه بشيء لكنها تريد لفت الانتباه اليها. امرأة اخرى تمشي في الشارع ممسكة بيد ابنتها ذات العامين لم تسلم من التحرش، هي ذاتها تعرضت للتحرش عندما كانت في طريق السفر من مدينة إلى أخرى فعندما نزل جميع الركاب وبقيت لوحدها مع السائق طلب منها علاقة مقابل توصيلها حيثما تشاء لكن دورية الشرطة انقذتها في اللحظة الأخيرة وإلا لكانت ضحية اغتصاب وربما قتل من يعلم؟  
وفي المدارس والجامعات لا تعي الطالبات ماهية التحرش كونه أحد الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة، ويعتقدن أنه ممارسة طبيعية في وجود كلا الجنسين في مكان واحد. 
التحرش الإلكتروني هو أحدث أشكال التحرش والاخطر على النساء لسهولة وصول المتحرشين لمعلوماتهن وابتزازهن فيما بعد، فالشاشات لا تحمي النساء من المتحرشين الذين يجدون فيها حماية لهم تحت اسماء مستعارة، ويعتقدون أن من تملك حساباً على مواقع التواصل الاجتماعي امرأة باحثة عن العلاقات ومباحة.  كما أن محتوى المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي يعج بالمفردات المسيئة للمرأة ومنها التحرش والتنمر دون أي رقيب أو حسيب بل إن بعض النساء يتفاعلن معه، تقول إحدى الصديقات أنها عندما اعطت وجهة نظرها حول محتوى أحد المنشورات تعرضت لهجمة شرسة من رجال ونساء لم يحترموا رأيها بل إن أحدهم أرسل إليها صور ذات محتوى جنسي. 
إحدى السيدات تعرضت للتحرش أكثر من مرة من اصدقاء زوجها ورئيسه في العمل مستغلين غياب زوجها المتكرر عن المنزل، لم تخبره خوفاً من ظنه السوء بها والتشكيك بتصرفاتها، لكن الأسوأ إن صدقها فستكون السبب بحدوث جريمة وعندها لن تسلم من احتقار المجتمع فكان قرار الانفصال أسلم لها.  
وتبقى ضحية هذه الممارسة تدور في نفس الحلقة وهي التردد وعدم الإبلاغ فلا ثقة بالجهات المسؤولة كما ستلاحقها أصابع الاتهام والملامة اينما حلت كل ذلك بينما يتفاخر الرجال بتحرشهم بالنساء ويعدونه مظهراً من مظاهر رجولتهم كما أنهم يعيبون على الرجال القلائل الذين ينئون بأنفسهم عنه فيرمونهم بشتى الألقاب المهينة ويسخرون منهم.
في واقع الحال يقع اللوم في قضية التحرش على المرأة لكن الحقيقة أن كلاهما يتحمل المسؤولية على حد سواء كما وتقع المسؤولية على العائلة كونها اللبنة الأساسية في المجتمع فعليها توعية ابنائها وبناتها لسوء هذه الممارسة والرد المناسب عليها لاجتثاثها من جذورها. 
ولكن معرفة المرأة لحقوقها والانتهاكات والممارسات التي تتعرض لها شبه معدومة أو يتم التغاضي عنها لكيلا تفقد احترامها في مجتمع يرى في رضوخ المرأة للظلم انوثة والمطالبة بالحقوق استرجال فتتعرض للإقصاء وكذلك في قضية التحرش.
كما أن معظم الدول العربية تعاني من انعدام آلية حماية النساء فلا توجد مؤسسات معنية بهن والمؤسسات النسوية لا تقوم بعملها على أكمل وجه.
لكن يبقى العقاب ليس الحل الصحيح والناجع مع أنه مطلب أساسي لإنهاء التحرش وإنما هو حل مؤقت، أما النتائج المرجوة على المدى البعيد تكون من خلال العمل على زيادة الوعي والإدراك وتعريف المرأة بعيداً عن مفهوم الجسد والنظر إليها على أنها إنسان بالدرجة الأولى.