وصمة عار تلاحق النساء

مالفا محمد
استمرت محاولات النساء وما تزال من أجل حق المساواة بين الجنسين في كافة مناحي الحياة وها هن يحصلن على حقوقهن تدريجيا، لكن المواضيع التي ترتبط بالمرأة ومناقشة طبيعة جسدها الفيزيولوجية والبيولوجية بقي أمر خادش للحياء العام في معظم المجتمعات ومندرجة تحت "ثقافة العيب" التي تعتبر من أكثر القضايا الشائكة، لتبقى الدورة الشهرية تابوه حتى اليوم.
يختلف مفهوم العيب باختلاف فئات المجتمع، ولكن عندما يأتي الحديث عن الدورة الشهرية "الحيض" يتفق الأغلبية على تجنب الحديث العلني عنه بذريعة أنه محرم ويدعو "للخجل" بل ويعد من المحظورات الاجتماعية في بعض المجتمعات وخاصة العربية منها بذريعة أنه نقيصة للمرأة، ليصبح دم النساء "تابوه" لا يمكن الاقتراب أو الحديث عنه، بالرغم من أنه يعد أمراً عادياً في الكثير من دول العالم حيث تتم مناقشته في المدرسة أو المنزل.
ينظر إلى الدورة الشهرية في معظم المجتمعات بحسب العادات والتقاليد على أنه دنس أو مصدر إحراج ويتم منع ذكره سواء في العلن أو في الحياة الخاصة، فمع بدأ الدورة الشهرية والتي تعتبر دلالة على "بلوغ الفتيات" يبدأ وابل من التعليمات التي تفرضها الأمهات والتي على الفتيات الالتزام بها، كقول "أنتِ كبرتي الآن ولن يعود بإمكانك اللعب مع أصدقائك في الشارع، عليك الامتناع عن التكلم مع الفتيان" وغيرها الكثير.
ويتم تنبيههن بجملة من العبارات ألا وهي "لا حدا يسمعك، هس عيب أبوكي وأخوكي يعرفوا" كما ولا يجب على أحد أن يعلم أنها تعاني من إجهاد جسدي ونفسي، ليكون بداية التحكم بطبيعة أجسادهن وحياتهن وربطها بالعديد من المفاهيم المغلوطة التي تندرج تحت ثقافة العيب، ما يثير لدى الفتيات الخوف وبتشكل لديهم العديد من التناقضات والأسئلة بشأن أجسادهن، كسؤال أنفسهن "ماذا يحصل لي... لما كل هذه التعليمات؟ هل الحيض مخزي وعيب لهذه الدرجة؟"، فلا بد من أن يتم تعريفهن على أن الدورة الشهرية ليس بالأمر الذي يشعرهن بالخزي والخجل والانعزال، لا بد من وقف الوصم حولها في كافة الفضاءات. حيث يعد الحصول على التثقيف الجنسي أمراً حيوياً للمعرفة حول الطمث وبالنسبة إلى الثقة في النفس.
ويشكل المنظور الذكوري في المجتمع أيضاً أحد الأسباب التي ينتج عنها جدل الحديث حول القضايا المتعلقة بجسد المرأة، فأثناء الدورة الشهرية تلزم الفتيات والنساء بارتداء الملابس الفضفاضة وإخفاء الفوط الصحية أمام الرجال مهما كانت درجة قرابته. وفي حال أنهن تحدثن عنها أمام آبائهن أو أشقائهن أو أي رجل آخر يتم نعتهن بـ "قليلات أدب وحياء".
ويثير موضوع الحيض جدلاً كبيراً في المجتمعات التي تتحكم في ما يصح للفتيات والنساء وما لا يصح لهن وكبلتهن بقيود ومفاهيم سلب منهن كافة حقوقهن الأساسية وحريتهن، في مقابل ما يصفه البعض بـ "قلة الأدب"!.
مجموعة من المعتقدات الخاطئة والقواعد الاجتماعية تحيط بموضوع الحيض لدى النساء، فمنذ الطفولة يتم تربية الفتيات على عدم الحديث عن الأمور المتعلقة بأجسادهن حتى مع الأب والأخ والتعامل معها في الخفاء وبصوت منخفض باعتبارهم "عار وعيب"، فحتى يومنا هذا ينظر إلى الفتاة أو المرأة الحائض في مجتمعنا بطريقة سلبية وتمييزية، كما ويتم منعهن من العمل في العديد من المهن بذريعة أنها مهن تضر بأجسادهن، أو أنهن تلجأن إلى إيقاف الدورة الشهرية باستخدام سدادات قطنية.
وعلى إثر ذلك تطلق النساء عدة تسميات على الدورة الشهرية وعبارات ملطفة تحط من شأنهن عوضاً عن تسميتها باسمها العلمي باعتبارهن أنه لأمر مخجل فيستخدمن أسماء من قبيل "معيدة، معذورة، شرفت، أجتني، أجت خالتي..." وغيرها الكثير للتستر على ما يعتبر "عيباً وعاراً" برأي فئات من المجتمع.
وصمة العار والخجل التي تولدهما الصور النمطية حول الدورة الشهرية وكأنه الرجس الذي لا يزول أبداً، لهما تأثيرات شديدة على كافة جوانب حقوق النساء والفتيات، بما في ذلك حق المساواة في التعليم والمشاركة في الحياة الثقافية والعامة دون تمييز، كما ويعيقان انتشار الوعي بطبيعة الحيض والطرق الصحية للتعامل معها، ما يصاحب نقص الوعي والعار المجتمعي والجهل المحيط بجسد المرأة تأثير بالغ الخطورة على حياة النساء من مختلف الأعمار. 
أول ما يتبادر إلى ذهن الرجال فور رؤيتهم دماء الحيض هو عدم طهارة المرأة، ويصابون بالهلع والاشمئزاز والقرف والخوف كما ويعتبرونه "مرض، نجاسة"، ما يخلق لدى النساء الشعور بالخزي من الطمث الذي هو شكل من أشكال كراهية النساء.
ما يضيف بعداً آخر إلى فكرة أن الحيض مخجل وينبغي كتمانه، وجود أفكار مبنية على أن المرأة مزاجية وغير عقلانية نتيجة التغيرات الفيزيولوجية والنفسية التي تطرأ عليهن أثناء فترة الحيض، ما يضعف من ثقة المرأة ويجعلها تتبع ثقافة الصمت في التعامل مع آلامها شهرياً.
ولا يزال حتى يومنا هذا عدد كبير من النساء يشعرن بالخجل عند سؤالهن عن الدورة الشهرية، وتتنافسن فيما بينهن في إخفائها قدر المستطاع. يشترين الفوط الصحية بسرية كأنهن يتاجرن بمادة ممنوعة ودون إدراك يضعن الفوط الصحية في أكياس سوداء لإخفائها عن الأنظار، على الرغم من أن شراء الفوط الصحية بشكل علني والاعتناء بصحتهن الجسدية من حقوقهن الأساسية.
بات الخجل والنبذ المرتبط بالحيض الهاجس والرعب الذي يحاصر النساء وكأنهن يرتكبن جرماً أو إثما، يتم معاملة المرأة أثناء فترة الحيض باحتقار ودونية ويجب نبذها وتجاهلها حيث تتردد مقولات أنها "إذا لمست الطعام أو قامت بإعداده فسيصبح فاسداً" والكثير من الخزعبلات التي تؤدي إلى التمييز القائم على نوع الجنس.
يعتبر البعض أن التقلبات المزاجية التي تعاني منها المرأة الحائض أموراً مثيرة للسخرية، ويقلل سواء الرجال أو النساء من صعوبة تحمل الآلام المرافقة للدورة الشهرية والتي تختلف شدتها من امرأة إلى أخرى، ويعتبرونها وسيلة "دلع" وذريعة تستخدمنها طمعاً بالراحة، فالنساء تعانين خلال فترة الحيض من مجموعة من الآلام التي تؤثر على صحتهن الجسدية والنفسية حيث ترافقها آلام وانتفاخ في الثدي وأسفل البطن وتشنجات في المهبل، في حين أن البعض منهن قد يشهدن تقلبات حادة في المزاج أكثر من المعتاد كشعورهن بالغضب والاكتئاب.
ويشكل النقص في التعليم والتوعية حول الجانب البيولوجي للحيض، إلى ترسيخ مفهوم ثقافة العيب، ففي الكثير من المناهج الدراسية لا يتم الحديث عنها سوى بمعلومات بسيطة سواء أكان ذلك في مادة العلوم أو غيرها من المواد الدراسية.
بينما المعلم أو المعلمة عندما يصلون إلى أي درس يتعلق بالدورة الشهرية أو أياً من أعضاء الجهاز التناسلي لدى النساء يتم الفصل بين الجنسين إلى حين انتهاء الدرس المخصص، أو يجتنبون في الأساس التطرق للشرح المفصل لتلك المعلومات على الرغم من مقولة "لا حياء في العلم", وهو ما يؤدي إلى نقص في الثقافة الجنسية ما يبقي مناقشة موضوع الدورة الشهرية أو ذكره أمام  الرجال أمراً صعباً حتى بين النساء.
ولا يزال مناقشة موضوع الحيض بعلانية في مجتمعات تدعي التحرر والمساواة بين الجنسين، ضرب من المحظورات. وبات يشكل عائقاً أمام تطور المرأة وحصولها على حريتها بالرغم من التقدم الذي وصلت إليه بذاتها وجهودها.