العيب... مفهوم اختزل باسمه العديد من حقوق المرأة

غدير العباس
 
"لا تضحكي" "لا تخرجي" "لا ترفعي صوتكِ" "لا تلبسي هكذا" وغيرها الكثير من اللاءات كبلت المرأة بقيود ومفاهيم تندرج تحت مفهوم العيب الذي سلب منها كافة حقوقها الأساسية وحريتها.
مجتمعنا الذي يدعي التحرر والمساواة بين الجنسين، بات العائق أمام تطور المرأة وحصولها على حريتها بالرغم من التقدم الذي وصلت إليه بذاتها وجهودها وحاربت من أجله سنوات عديدة، إلا أنه لا يزال ينظر إليها نظرة دونية ومستهترة بحقوقها.
فكثيراً ما نصادف في المجتمع مفاهيم عديدة تحد من حرية المرأة وتندرج تحت مفهوم العيب فمثلاً الكثير من العائلات تنظر إلى المرأة المطلقة أو التي تطلب الطلاق بأنه أمر معيب وينظر إليها نظرة دونية وتوصم بأنها هي السبب حتى وأن كانت تتعرض للضرب والإهانة من قبل زوجها أو عائلته الذين يعاملونها كخادمة لهم ويجب أن تتبع أمورهم في كافة الأشياء وإذ تلفظت بـ لا سيكون عقابها كبيراً سواءً من قبل زوجها أو أهلها أو المجتمع، فزوجها لم يرى بعينه ما حصل وسيلومها إن كانت محقة أم لا، وكذلك عائلتها سيقولون لها بأنه يجب أن تتحمل كل شيء لأنه هذا مستقبلها وبيتها وعشها الأبدي، وإذا رفضت وتطلقت فأنه أمر معيب لذلك يجب أن تتحمل. 
أما المجتمع فينظر إليها نظرة دونية وبأنها هي السبب دائماً في الطلاق وكل المشاكل منها وأنها لا تتحمل شيء ويجب عليها السكوت والخضوع للأوامر لإرضاء الزوج وعائلته بالإضافة للمجتمع كي لا يوصمها بعبارة العيب.
 الأمر ذاته بالنسبة للمرأة الأرملة التي توفي زوجها سواءً كان مريض أو لأي سبب كان فالمجتمع والعائلة يلومها هي في البداية بأنها هي السبب في ذلك، فمعاناة المرأة لا تنتهي هنا بل تكون قد بدأت للتو فإذا خرجت من البيت بعد وفاة زوجها يوصمونها بأنها امرأة لا تخجل وأنه معيب ويجب عليها أن تبقى لمدة أقصاها أربعة أشهر وعشرة أيام حبيسة الجدران لا يراها أو يسمع صوتها أحد غير عائلتها، كي تقضي العدة بعد وفاة زوجها، وإذا خرجت بعدها وعملت وتحدثت مع رجال فإنه أمر معيب، فأي شيء تفعله لن يعجب المجتمع الذي دائماً يوصم أفعالها بالعيب.
مفاهيم عديدة وصمت المرأة بمفهوم العيب فنلاحظ في المجتمع إذا ضحكت المرأة أو تحدثت بصوت عالي فإنه أمر معيب؛ لأن المرأة يجب ألا ترفع صوتها أو يسمعه أحد ويجب أن تتحدث بصوت منخفض، فالبعض يعتبر صوت المرأة عورة.
ويعتبر الرجل بأن مناداة المرأة باسمها أمام الجيران أو في الشارع أو أمام أي أحد غريب أمر معيب، ويتذرع بحجة أنه يقلل من شأنها ومكانتها ويجب أن تنادى باسم أبنائها كـ أم فلان.
أمور كثيرة قللت من شأن المرأة وجعلتها حبيسة أفكار المجتمع وتقاليده، فحتى لباسها وكلامها يتم التحكم به، فالمرأة لا تتعرض للعنف والضغط فقط من الرجل والمجتمع، فالمرأة نفسها تضغط على المرأة وتوصمها بعبارات العيب أو الأمر المعيب فكثيراً ما نلاحظ في مجتمعنا سواءً كان من قبل الأم أو الأب أو الأخ أو الزوج هناك طرف يتحكم في لباس المرأة، فإذا هي ارتدت ما يحلو لها وبقناعتها فإنه أمر ممنوع ويجب أن تستشير أحد الأطراف وترتدي ما يجب أن يناسبه هو لا هي وأن تأخذ في عين الاعتبار نظرة ورأي المجتمع في لبسها ومظهرها.
حتى في مسألة الحجاب فهناك بعض المجتمعات من يرى في ارتداء الحجاب أمر معيب والبعض يرى في عدم ارتداءه أمر معيب فيفرضه على النساء بالإجبار فنرى كثير من الفتيات اللواتي لم يتجاوز أعمارهن عشر سنوات محجبات؛ لأن المجتمع والعائلة نفسها ترى بأن المرأة إذا ظهر شعرها أمر معيب ويخالف تعاليم الدين الذي يشرعه كل شخص على هوى نفسه.
وتفرض بعض المجتمعات على النساء تغطية وجهوهن وارتداء النقاب لأنهم يرون في ظهور وجهها أيضاً أمر معيب، لأسباب لا علاقة لها بالدين أنما شرعها المجتمع وفقاً لرأيه.
وبالنسبة لمسائلة خروج المرأة من البيت أو القفص الزوجي الذي تعيش فيه بعض النساء ويمنعن من العمل وخصوصاً المرأة المتزوجة الذي دائماً ما عَّرفها المجتمع بأن مكانها الطبيعي يجب أن يكون البيت والمحافظة على أولادها وزوجها، فإذا هي عملت وخرجت فإنهم يتحدثون عنها بأنها لا تهتم بزوجها وأولادها وهي تفعل ما تشاء ويحلو لها بالرغم من أن عملها يكون لمساعدة زوجها في المعيشة لكن نظرة المجتمع وكلامه على المرأة لن يتوقف أبداً.
حتى المرأة التي تخرج للعمل في بعض المجتمعات أو تعمل في مكان مختلط توصم بعبارة العيب، وأحياناً إذا تأخرت دقائق عن البيت فإن المجتمع والأهل يعتبره أمر معيب، ويجب عليها الذهاب إلى العمل والعودة إلى البيت بعد الانتهاء من العمل بشكل فوري.
كما أن خروجها لزيارة أصدقائها أو حضور حفل زفاف أو مشاركتها في أي مناسبة يعتبره البعض أمر مستنكراً، على عكس الرجل الذي يعد حق طبيعي له وفي أي وقت كان.
ويحد المجتمع من نشاط المرأة الأدبي والإبداعي لعدم قبوله مشاركتها في نشاطات ومواهب والوصول إلى أحلامها وتحقيق ما تسعى إليه تحت مسمى العيب، كما أن ممارستها لبعض المهن التي طالما يجدها المجتمع بأنها حكراً على الرجل أمر معيب بالنسبة للمرأة.
ويعد خروج المرأة مع رجل أو التحدث معه أمر معيب جداً ومن أكبر الكبائر الذي يرفضها أفراد العائلة، وفي بعض الأحيان إذ كان يحتوي هاتفها الشخصي على رقم أحد أصدقائها تعتبره العائلة أو المجتمع أمر معيب بالنسبة للفتاة على عكس الرجل الذي يحوي هاتفه ملايين الأرقام للفتيات ويتفاخر بها.
حتى في مسألة قيادة المرأة للسيارة فالمجتمع يعدها أمر معيب والمرأة ليست ذو كفاءة وقدرة على قيادة السيارة لأنهم يعتبرونها ضعيفة الشخصية لا تقوى على شيء. 
تفاصيل صغيرة تمر بيومنا أحياناً لكن بعض المجتمعات تراها أمر معيب فالبعض لا يزال يعتبر بأن خروج المرأة لفتح باب المنزل أمر معيب يجب على الرجل هو من يقوم بفتحه لأنه يمكن أن يكون رجل غريب بحسب تعبيره وأمر معيب أنه يرى المرأة.
حتى في مسألة تعرضها للتحرش أو الاغتصاب فالمجتمع أو العائلة دائماً يلوم الفتاة ويرى بأنه يجب عليها أن لا تتحدث عن الموضوع أمام أحد لأنه أمر معيب ويجب عدم معرفة أحد به حتى الجهات المسؤولة التي تعالج هذه الأمور؛ لأنه بحسب رأي المجتمع يقلل من شأنها وكرامتها ويعتبر أمر معيب وخادش للحياء، غاضين النظر بأنه اذا لم تتحدث ستتعرض في كل مرة لنفس الأمر، لكن يبقى مفهوم العيب هو الأهم بالنسبة لهم.
سؤال دائماً يطرح في أوساطنا الاجتماعية، لماذا لا تطالبين بحقكِ في الميراث؟ جوابه دائماً يكون بأنه عيب، فالأمر ينظر إليه بأنه عرف سائد ورثوه من أجدادهم وأمهاتهم، فنلاحظ الكثير من الأشقاء يقدمون على طلب من شقيقاتهن في العائلة للتنازل عن حقوقهن في الميراث لصالحهم باسم العادات والتقاليد التي تجاوزت القوانين والتشريعات التي تثبت حق المرأة في الميراث.
تفاصيل صغيرة تمر بيومنا لكنها تحمل بطياتها معاني كثيرة تقلل من شأن المرأة وتلومها في أبسط الأمور التي تمارسها في حياتها وتعتبر من حقوقها الأساسية، إلا أنها لا توافق رأي المجتمع والعائلة وعاداته وتقاليده فيوصمها بالأمر المعيب، لتبقى المرأة أسيرة هذه المفاهيم وتتعرض للممارسات المجحفة التي تحد من حريتها.