"قرار وهب كليتي لوالدتي أنقذ حياتي"

شهادة حياة كريستيان واكد
كنت في السادسة والعشرين من عمري عندما أخبرتني والدتي هيلدا أنها ستبدأ جلسات غسيل الكلى قريباً بسبب مرض أدى بها إلى فشل الكلى، صعقت بالخبر وفكرة أن والدتي ستظل عالقة على كرسي لساعات للقيام بتصفية وتنقية دمها من خلال جهاز طبي، كانت الفكرة تؤلمني جداً، لذا قررت حينها التبرع لها بإحدى كليتي.
لم أكن لأتخيل مطلقاً في أن قراري بالتبرع بإحدى كليتي سيغير حياتي بشكل جذري. كنت أعيش حينها في العاصمة الفرنسية باريس بينما والدتي كانت تعيش في بيروت، ورغم أنها رفضت فكرة منحها إحدى كليتي، فقد كنت قد عزمت على قراري وأجريت الفحوصات الضرورية. لدهشتي، وعلى الرغم من أنني كنت متبرعاً مناسباً ومثالياً، إلا أنني لم أستطع أن أمنح  كليتي؛ وذلك لأن الطبيب اكتشف أنه هناك هاكر خطير، بعد 14 عاماً على الحدث، ما زلت أتذكر كلمات الطبيب بدقة "كريستيان آسف لإبلاغك، ولكن لا يمكنك منح كليتكِ لوالدتكِ، لقد اكتشفنا ورماً بطول 7 سنتمترات في كليتك اليمنى و...".
يجب أن أعترف أنه بعد ذلك توقفت عن سماع صوت الطبيب وعوضاً عن ذلك، سيطر عليّ صوت داخلي، كنت في حالة من الذعر التام، كانت كلمات مثل فقدان شعري والموت والسرطان تدور في مخيلتي، بمجرد أن ظهرت النتائج على أنها سرطان الخلايا الكلوية من صنف فورمان الفئة الثانية، لم يكن لدي أي قرار للعودة إلى الوراء وعوضاً عن إنقاذي لوالدتي من غسيل الكلى، هي من أنقذتني من الموت المحتمل لو انتشر السرطان دون أن أعلم بذلك. جاء قرار وهب كليتي خلاص لي بحيث أن الورم كان لا يزال محاصراً في كليتي اليمنى ولم ينتشر، شعرت حينها وكان أمي وهبتني الحياة مرتين.
انتهى الأمر بكليتي اليمنى في صندوق قمامة بدلاً من وهبها لوالدتي، ولفترة طويلة شعرت بالذنب لأنني لم أتمكن من مساعدتها ومراقبتها لمدة أربعة عشر عاماً وهي تمر بعلاج غسيل الكلى، كان صعباً علي جداً، كنت أرى أن صحتها تتدهور شيئاً فشيئاً لقد خاضت عدة عمليات إلى أن توفيت نتيجة مضاعفات في شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 2020.
عدت إلى لبنان بعد أن عشت 17 عاماً خارج البلاد، لأكون مع والدتي في سنواتها الأخيرة وتمكنت من إمساك يدها إلى أن فارقت الحياة، ولكن لا يسعني إلا التفكير في مدى اختلاف حياتها إذا تمكنت من منحها كليتي، ولهذا السبب قررت رفع مستوى الوعي حول التبرع بالأعضاء حتى يكون موت والدتي بمثابة جرس إنذار للآخرين. لا يقتصر الأمر على التبرع بالأعضاء التي يمكن أن تحسن حياة العديد من المرضى ولكن في كثير من الحالات يمكن أن تنقذهم من الموت أيضاً.
في حالة والدتي، كان العثور على تطابق مثالي بين المتبرعين بالكلى من الممكن أن يساعدها على استعادة قدراتها على تنقية الدماء، وكان لمن النادر أن تكون هناك حاجة لجلسات غسيل الكلى بعد عملية الزرع. حوالي ثلاثة أرباع الطعوم المأخوذة من المتبرعين الأحياء يمكن أن تعمل حتى بعد عشر سنوات من الزرع، هذا يعني أنه كان بإمكان والدتي أن تستعيد استقلالها وأن تعيش حياة طبيعية. 
عند وفاة شخص ما، يمكن للعديد من المرضى بين 7 أو 8 منهم الاستفادة من الأعضاء التي تم منحها من قبل الأشخاص الذين قد توفوا، فإذا تبرع الشخص بقلبه وكبده ورئتيه والبنكرياس والكليتين والقرنية والأمعاء، يمكن لذاك المتبرع مساعدة طفل مصاب بمرض في القلب ينتظر في المشفى للعودة واستئناف حياته الطبيعية.
لذلك إذا كنت تريد التبرع بأعضائك وأنسجتك بعد وفاتك، فتأكد من أن تكون دائماً لديك بطاقة التبرع بالأعضاء والاحتفاظ بها طوال الوقت وإخبار أحبائك وعائلتك ومحيطك برغبتك في حال توفيت.
والدتي هيلدا التي اسمها يعني محاربة باللغة الألمانية قاتلت بشدة أثناء مرضها، لقد أحبت الحياة لكنها أحبت الناس أكثر، كانت تخبرني دائماً أن الإنسانية ليست سوى سلسلة واحدة متصلة ببعضها البعض، وأكبر تكريم يمكنني القيام به لتكريم أمي بعد موتها. هي تذكير نفسي ومحيطي بكيفية ارتباطنا جميعاً في هذه الحياة وبعدها، وما هي أفضل طريقة للقيام بذلك فهو الحديث عن التبرع بالأعضاء وكيف بإمكاننا مساعدة الناس على تحسين حياتهم وحتى إنقاذها من خلال وهب الأعضاء. وأخيراً أريد أن أختم بكلمات صديقي الرسام سمعان خوام والذي دائماً يرددها "ليس من المهم من يحبك بل الأهم هو كيف انت تحب و الأفعال تتحدث بصوت أعلى من أي كلمات أو لغة".
وأهم شيء تعلمته من مرضي ومرض والدتي هو احترام الحياة بكل ما فيها وأن نحب دون مقابل فيكون قلبنا نقياً، فكلنا زوار على الأرض ولا أحد أهم من أحد في وجه الموت فلنسير بثبات بقلب مليء بالحب. ونتذكر أن الحياة لا تدين لنا بشيء ولكننا مدينن للحياة بكل شيء، فلنعامل محيطنا جيداً، ونعامل أنفسنا جيداً، ونجعل كل ثانية مهمة.