فاطمة الفهرية... إشراقة في تاريخ المغرب

مركز الأخبارـ شخصية تاريخية خالدة في ذاكرة التونسيين والمغربيين، فاطمة الفهرية الملقبة بأم البنين استطاعت أن تشق طريقها بنفسها، بمهارتها ودهائها عزمت على تحقيق مشروع معطاء ظلّ إلى اليوم شاخصاً ناطقاً يرفع من شأن المرأة.
 
فاطمة الفهرية الملقبة بـ "أم البنين"
فاطمة بنت محمد الفهري القرشي، امرأة عربية ولدت في مدينة القيروان بتونس عام 800 ميلادي في القرن الثالث بعد الهجرة، تعود أصولها إلى سلالة عقبة بن نافع الفهري القرشي فاتح تونس ومؤسس مدينة القيروان، انتقلت في حياتها مع والدها الفقيه القيرواني محمد بن عبد الله الفهري للعيش في عدوة القرويين في مدينة فاس عاصمة الدولة الإدريسية في المغرب الأقصى زمن الأمير يحيى بن محمد بن إدريس آنذاك. 
تزوجت ولقبت بعد زواجها بـ "أم البنين" لكثرة تصدّقها وإعالتها لطلاب العلم. بعد مرور فترة من الزمن توفي والدها تاركاً لها ولأختها مريم التي تكنى بـ "أم القاسم" مالاً كثيراً. قررت فاطمة الفهرية وأختها إنشاء مسجد ليكون العمل صدقة جارية على روح أباها المتوفي.
 
أول امرأة تشيّد أقدم جامعة للعلوم
ذاع صيت فاطمة الفهرية القيرواني في أوربا سنة 245 هجري، عندما أقدمت على تأسيس مسجداً من ميراث والداها عُرف بمسجد القرويين نسبة لموطنها القيروان. 
اتخذت الخطوات الأولى في البناء ولم تتردد في إنفاق المال عليه، ضاعفت مساحة المسجد بشراء الأراضي المحيطة به، ويذكر أنها تطوّعت ببنائه، وباشرت بحفر الأرض لاستخراج الرمل الأصفر الجديد والأحجار والجص واستخدامه في البناء، أشرفت بنفسها عليه بمهارة واتقان، حتى بدا بصورة بهية وكأنها على علم ودراية بأمور البناء وفنون التشييد. 
ذكرت الروايات التاريخية بأنها صامت طوال فترة بناء المسجد الذي استغرق 18 عاماً، والذي امتد إلى سنة انتهاء بنائه 263 هجري، ونذرت ألا تفطر يوما حتى ينتهي العمل فيه.
بعد بناء جامع القرويين قام العلماء بإنشاء حلقات علم لهم فيه، ونال الجامع الاهتمام الكبير من قبل حكّام المدينة المختلفين وتحوّلت مدينة فاس إلى مركز علمي ينافس مراكز علمية ذائعة الصيت كقرطبة وبغداد. وفي عهد دولة المرابطين تحوّل البناء من مرحلة الجامع إلى مرحلة البداية الجامعية العلمية، حيث قام العديد من العلماء باتخاذ المسجد مقراً لدروسهم، وفي عصر دولة بني مرين دخل مسجد القرويين مرحلة الجامعة الحقيقية، حيث أنشأت العديد من المدارس حوله، واحتوى الجامع على المقاعد والخزانات التي تحفظ المخطوطات العلمية.
تحوّل مسجد القرويين تدريجياً إلى أول جامعة عربية في بلاد المغرب الأقصى وفي العالم، بفضل دروس العلم التي كانت تنتظم في حرمه في وقت مبكر بعد تأسيسه، وضمت شتى أصناف العلوم كالفقه والأدب والرياضيات والفلك والمنطق وغيرها. كما اشتهرت جامعة القرويين بمكتبتها التي أنشأت في العصر المريني، والتي تحتوي على أكثر من 4000 مخطوطة، وضمت إليها فيما بعد مكتبة السلطان الموحدي يوسف بن عبد المؤمن لتضاهي مكتبة قرطبة. في الآونة الأخيرة من أيار/مايو عام 2016، تم ترميم المكتبة وأعيد فتحها للجمهور.
توفيت فاطمة الفهرية عام 265 هجري/ 878 ميلادي. ولكن الجامعة التي شيدتها استمرت لأكثر من ألف عام كمنبر من منابر العلم في التاريخ البشري ومركزاً للنشاط العلمي والفكري والثقافي. كما أقدمت أختها مريم على بناء مسجد آخر وهو "مسجد الأندلس".
 
أسست العاصمة فاس علمياً
كانت فاطمة الفهرية متابعة لأحوال المسجد، وقد كانت على علم ودراية بتردد العلماء والحكماء عليه، لذلك عملت على توسيعه بمساحة أكبر، لم يكن هدفها من بناء المسجد التقرب من أصحاب الجاه أو استمالة نفر من الأتباع، بل كانت صاحبة علم وهدفها نبيل هو نشر المعرفة في مدينة فاس، مما جعلها بنفسها تساهم في إنجاز هذا التشييد الكبير، حيث أثبتت للعرب والبشرية جمعاء قيمة العمل الذي قامت به، والذي أهدته للقرويين وللعاصمة العلمية فاس، الذي أصبح أحد مكونات التراث الإنساني العالمي. وقد ذكر ابن خلدون في كتابه "المقدمة" أنه من أسباب استقرار الأمم والبلدان هو مثل هذه المشاريع.
إذا كانت الدولة المغربية قد تأسست في عهد الأدارسة سياسياً، فهي من الناحية العلمية تأسست على يد فاطمة الفهري. 
 
تأثّر علماء العرب والغرب بمشروعها البنّاء
تخرّج من جامعة القرويين التي شيدّتها فاطمة الفهري العديد من أعلام العرب والغرب، حيث درس فيها سلفستر الثاني "غربيرت دورياك" الذي شغل منصب البابا في كنيسة الفاتيكان، وقضى فيها الطبيب والفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون بضع سنوات قام خلالها بمزاولة التدريس، ودرّس فيها الفقيه المالكي أبو عمران الفاسي وابن البنا المراكشي وابن العربي وابن رشيد السبتي وابن الحاج الفاسي وابن ميمون الغماري، زارها الشريف الإدريسي ومكث فيها مدة كما زارها ابن زهر مرات عديدة ودوّن فيها النحوي ابن أجروم كتابه "الأجرومية" الذي يعتبر من أهم كتب النحو العربية. ومن العلماء الذين أقاموا بفاس ودرّسوا بجامعتها المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع ابن خلدون.
أول من كتب عن فاطمة الفهري هو المؤرخ أبو الحسن بن أبي ذرع، فأظهر الكثير من المعلومات الهامة، فقد كان لها تأثير كبير في حياة من حولها ومعاصريها الذي أثر على كثير من الأجيال القادمة، فكان لمشروعها وعملها البنّاء الذي تحوّل في العصور القادمة إلى منارة علم ليس في المنطقة فقط بل في العالم أجمع، بالإضافة إلى دورها السياسي والتربوي والعلمي. 
كما أشتهر فيها ابن باجة الذي مكث في فاس بعد هجرته من الأندلس، وكان ممن نبغوا في الطب والفلسفة، وبقي فيها إلى أن توفي 1138ميلادي، وحسب موسوعة غينيس للأرقام القياسية فإن مسجد القرويين هو أقدم جامعة في العالم ولا زالت أبوابها مشرعة أمام طلابها حتى اليوم.
 
"فكأنما نبهت عزائم الملوك بعدها"
على الرغم من طمس معالمها في مصنفات التاريخ ومجلدات أعلام قيروان وفاس، إلا أن عملها في تشييد المسجد كان كافياً لتكون ضمن الخالدين ويمجد التاريخ اسمها، فوصف المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب في كتابه "شهيرات التونسيات" الطريقة التي سلكتها أم البنين في بناء المسجد "التزمت أن لا تأخذ التراب وغيره من مادة البناء إلا من نفس الأرض التي اشترتها دون غيرها فحفرت كهوفاً في أعماقها واستخرجت الرمل الأصفر الجيد والجص والحجر لتبني به تحرياً منها أن لا تدخل شبهة في تشييد المسجد". 
فيما يضيف العلّامة محمد المنتصر بالله الكتاني في كتابه "فاس عاصمة الأدارسة" أن الملوك والدول المتعاقبة على المغرب تنافسوا في توسيع بنائه ورصد الأموال للقيام به "فزاد فيه أيام الدولة الزناتية أميرها أحمد بن أبي بكر من خُمس الغنائم عام 345هجري، وزاد فيه أيام الدولة المرابطية علي بن يوسف بن تاشفين، ثم لم يزل يوسع ويجدد وتزداد أوقافه أيام دولة الموحدين ودولة المرينيين، إلى أيام دولتنا العلوية الحاضرة".
والمؤرخ عبد الرحمن ابن خلدون قال في وصفه لهذه السيدة البانية إنها امرأة "فكأنما نبهت عزائم الملوك بعدها...وأيقظ من بين أفرادها رجالاً ونساء، شباباً وشيوخاً، أيقظ فيهم وجداناً شريفاً وشعوراً عالياً يدفعه للقيام بصالح الأعمال وأشرفها". 
سجّل عبد الهادي التازي في مقدمة المجلد الأول من كتابه "جامع القرويين" أن جامع القرويين يمتاز دون سائر مساجد العالم، و"بأنه أول بناء تشيده فتاة مسلمة، وقد دخلت فاطمة التاريخ بفعلها العظيم هذا"، ووصف روعة المبنى وعظمتها بقوله "إذا كانت المباني تقاس بمداخلها، فإن للقرويين 18 باباً كانت مثلاً في العظمة والروعة والاتقان، وفيها ما كان متلبساً بالأصفر مطرزاً بالنقوش التي تحمل عبارات الشكر والثناء، وتسجل أسماء الصانعين". هذا المؤرخ المتخصص يؤكد أن فاطمة وأختها مريم ساهمتا في تشييد مباني العلم ودورِها.
وهكذا ظلت جامعة القرويين تقوم بواجبها على أكمل وجه، وكونت بذلك أجيالاً من العلماء لا يزال عطاؤهم وإنتاجهم العلمي والفكري قائماً ينهل منه الباحثون، وكل هذا يرجع إلى تاريخ فاطمة الفهري التي جعلت من اسمها امتداد عبر الأجيال.