رضوى عاشور... ومسيرتها الأدبية

مركز الأخبارـ شاركت الحياة الثقافية عبر كتاباتها الأدبية والنقدية فسجلت تاريخاً حافلاً في مجال الأدب والإبداع، رضوى عاشور واحدة من الشخصيات الفكرية والأدبية المهمة في مصر التي دافعت بقلمها عن قضايا المرأة والحريات العامة. 
 
كرست حياتها للدراسة 
ولدت رضوى عاشور في مدينة القاهرة بمصر في 26 أيار/مايو عام 1946، ضمن عائلة تحتفي بالأدب والمعرفة، من أب يعمل في المحاماة ويهوى مجال الأدب يدعى مصطفى عاشور، وأم فنانة وشاعرة أثرت على ابنتها وحرصت على تنشئتها تدعى مي عزام. 
نشأت رضوى عاشور على قراءة النصوص الأدبية والشعرية للأدب العربي بتشجيع من جدها عبد الوهاب عزام، الذي يعد أول من ترجم كتاب "شاه ناما" الفارسي تحت عنوان "الملوك" إلى العربية.
تزوجت من الأديب الفلسطيني مريد البرغوثي عام 1970، وبعد سبع سنين من زواجهما أنجبت منه ولداً أسمته تميم الذي أصبح شاعراً فيما بعد.
رضوى عاشور التي تعرفت على الكتب الأدبية والعلمية في سن مبكرة، تخرجت من قسم اللغة الإنكليزية بكلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1967، وحصلت على شهادة الماجستير في الأدب المقارن عام 1972.
انتقلت إلى الولايات المتحدة لتكمل دراستها، ونالت شهادة الدكتوراه من جامعة ماساتشوستس في أمهرست، وكانت أطروحتها البحثية حول الكتابات النقدية الأفرو أمريكية عام 1975.
بعد عودتها إلى مصر شغلت منصب رئيسة قسم اللغة الإنكليزية وآدابها في كلية الآداب بجامعة عين شمس في فترة ما بين عامي 1990ـ 1993، وقامت بتدريس الطلاب الجامعيين، وأشرفت على الأبحاث والدراسات والأطروحات المرتبطة بدرجتي الماجستير والدكتوراه حتى عام 2013.
 
مسيرة أدبية حافلة بالاهتمامات والمشاركات 
برز دورها في حركة 9 آذار/مارس المطالبة باستقلال الجامعات، بالإضافة إلى عضويتها في مجموعة من اللجان التحكيمية المرتبطة بالمجالين الثقافي والأكاديمي في لجنة جائزة الدولة التشجيعية ولجنة التفرغ بالمجلس الأعلى للثقافة ولجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة. 
عرفت بجرأتها وقوتها في الدفاع عن حرية الرأي والتعبير، وأولت اهتمامها بقضايا المرأة وحقوقها، ومناصرة القضايا الأخرى التي تخدم المجتمع وتحقق له السلام والعيش بهدوء.
تنقلت بين بلدان العالم للمشاركة في المؤتمرات الأدبية التي أقيمت في بيروت وصيدا ودمشق وعمان والدوحة والبحرين وتونس والقيروان والدار البيضاء وإسبانيا والولايات المتحدة وإنكلترا وباريس ولاهاي وفرنكفورت.  
 
ما بين النظري التطبيقي والأدبي
امتزجت أعمال رضوى عاشور النقدية بين النظري التطبيقي والأدبي المرتبط بتجارب معينة، فكان كتاب "الطريق إلى الخيمة الأخرى" أول عمل نقدي شامل صدر عام 1977، وتخصص بكامله لتحليل وإضاءة التجربة الأدبية للكاتب والصحفي الفلسطيني غسان كنفاني القائمة بين العمل الأدبي والواقع التاريخي، حيث توصلت عبر دراستها إلى هيمنة موضوع النفي والمنفى الذي طغى على أدبه بما فيه من استدعاء الماضي والعودة للطفولة، وسطوة الذهنية الذكورية في الحياة والمجتمع. وفي العام ذاته نشرت أعمالها الأكاديمية بعنوان "مع فريال غزول وأخريات" والذي يعد مرجع مؤلف من أربعة مجلدات حول الكاتبات العربيات.
كما نشرت باللغة الإنكليزية عام 1978 دراسة نقدية بعنوان "جبران وبليك"، شكلت منها أطروحتها في الماجستير وقدمتها لجامعة القاهرة.
ورأت عبر كتابها "التابع ينهض" الذي صدر عام 1980، والتي أمضت ست أعوام في جمع مواده، بأن الأدب الأفريقي أدب غني بالفكر والفنون لكن الأغلبية لا يتعمق فيه، والمكتبات العربية تفتقر لهذا الأدب، بحيث لم يتم بذل الجهد في ترجمة هذا النوع ونقله إلى العالم العربي.
وأصدرت فيما يخص أعمالها في النقد التطبيقي مقالة نقدية بعنوان "صيادو الذاكرة" عام 2001، تضم دراسات نقدية تطبيقية تحمل الطابع المنهجي نفسه، نشرت هذه الدراسات في فترات متباعدة، بالإضافة إلى عدد هائل من المقالات المتفرقة التي كتبتها ونُشرت في عدّة صحف عربية وإنكليزية.
وساهمت في موسوعة الكاتبة العربية بأربعة أجزاء عام 2004، وبرز أسلوبها المنفرد في البحث والدراسة لدى الرواية الأولى في الأدب العربي الحديث "الحداثة الممكنة: الشدياق والساق على الساق" عام 2009. اتخذت لدراستها مساراً مغايراً في الشكل والمضمون، كالحديث عن نشأة الرواية العربية عوضاً عن الانصياع وراء مسلمات وفرضيات معدومة لا يُعاد النظر فيها.
 
تفكير نقدي وأسلوب غني وسلس
غرست الكاتبة رضوى عاشور في قلوب تلاميذها مبدأ الحرية والاحترام، كما أعلت من شأن التفكير النقدي والمساءلة والنقد والمراجعة في الكتابات النقدية، وعدم التسليم بأي فرضية سابقة إلا بعد إخضاعها للتدقيق والفحص العلمي الصائب.
وتميزت عن باقي الكتاب والنقاد بأسلوبها السلس والغني في السرد وحبك الأحداث وفق تسلسلها الزمني. كما عرفت بشجاعتها ومواجهتها الثابتة والجريئة للأفكار التي تراها غير صائبة، وامتازت بنظرة ثاقبة وفطرة لغوية وأدبية قامت بتنميتها منذ الصغر. 
 
البعد الإنساني والتاريخي المرتبط بكتاباتها
ارتبطت كتاباتها بالبعد الوطني والإنساني والتاريخي، بين ما هو ذاتي وجماعي وما يوازيها من أحداث واقعية تاريخية، ففي المجال القصصي والروائي، لم تستخدم الخيال التاريخي في تتبع الماضي بل تعمقت في المحتوى والشكل كي تكون عدسة لتحليل معظم القضايا المستعصية. 
أولى أعمالها الأدبية رواية "أيام طالبة مصرية في أمريكا" التي صدرت عام 1983، وفيما بعد استطاعت إصدار روايتين هما "حجر دافئ" عام 1985، و"خديجة وسوسن" عام 1987، بالإضافة إلى الإصدارات الأخرى كـ رواية "سراج" عام 1992، ورواية "أطياف" عام 1999، ورواية "قطعة من أوروبا" عام 2003، ورواية "فرج" عام 2008.
أصدرت المجموعة القصصية "رأيت النخل" عام 1987 و"تقارير السيدة راء" عام 2001، وتضمنت بعض المختارات القصصية من الأدب العربي نصوصاً قصصية منها "القصة النسائية العربية، رائحتي شهية كالنعناع" باللغتين العربية والسويدية، كما أنها شاركت في تحرير "ذاكرة المستقبل: موسوعة الكاتبة العربية 1873 ـ 1999" عام 2004.
رضوى عاشور التي أصدرت عدة مقاطع من السيرة الذاتية كـ "أثقل من رضوى" عام 2013، و"الصرخة" عام 2015، تمت ترجمة أعمالها الأدبية إلى عدة لغات عالمية منها الإنكليزية والإسبانية والإيطالية والإندونيسية.
 
الرواية التاريخية "ثلاثية غرناطة"
عرفت الكاتبة رضوى عاشور بالأوساط الأدبية وبين الكتّاب والنّقاد والقرّاء بأعمالها الأدبية التاريخية القيّمة التي توثق الماضي بحذافيره، الذي يعد تجسيد إبداعي لغاية معرفية بما فيه الأحداث القديمة وهو اكتشاف الجذور المتأصلة وإعادة ترتيب الوقائع بما يخدم الفهم المنطقي والمسار الذي اتخذته في سلسلة الأحداث.
ففي رواية "ثلاثية غرناطة" التاريخية التي أصدرتها عام 1994، تحكي فيها قصة سقوط غرناطة أخر ممالك الأندلس والأحداث الواقعة بين عامي (1491ـ1609)، ضمن شخصية أبو جعفر الورّاق وأحفاده، وتتناول فيها صموده وتغريبته، كما وتعتبر هذه الرواية أول الروايات العربية التي تناولت حكاية سقوط غرناطة. 
قامت في هذه الرواية بتسليط الضوء على حال المجتمع بالنسبة للطبقة الفقيرة بشكل عام، وعلى حال النساء والأطفال بشكل خاص، والواقع المعاش بحسب طبيعة الحال آنذاك.  
حازت على جائزة أفضل كتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 1994 وقد تُرجمت الرواية إلى اللغة الإسبانية. نشرت الجزء الثاني من الرواية تحت عنوان "مريمة والرحيل" في عام 1995، وعلى إثرها حصلت من المعرض الأول لكتاب المرأة العربية على الجائزة الأولى للرواية.
 
رواية "الطنطورية"
تعد "رواية الطنطورية" التي نشرتها عام 2011، من أروع الروايات التي لاقت إقبال القراء عليها، حيث تسرد فيها سيرة لعائلة فلسطينية، وبطلة الرواية تدعى رقية الطنطورية المنتمية إلى قرية قريبة من الساحل الفلسطيني جنوب قرية حيفا وهي الطنطورة، تحكي فيها أحداث ومراحل حياتها من الطفولة وصولاً إلى الشيخوخة، وهي أحداث واقعية حقيقية ومسجلة بأسماء أصحابها.
 وفي الرواية سرد لتجارب اللاجئين في لبنان والإمارات ومصر، بعد أن اجتاحت القوات الإسرائيلية قرية الطنطورة عام 1948، ودمرت أرضهم وارتكبت فيهم أبشع المجازر والخراب وشتتهم، أرادت الكاتبة من خلال كتاباتها محاكاة الواقع المؤلم الذي تعيشه المرأة واللاجئات إثر الاعتداءات والانتهاكات المباشرة وغير المباشرة. 
 
رواية "خديجة وسوسن"
تحكي في هذه الرواية عن قصة الأم المتسلطة "خديجة"، والابنة المتمردة "سوسن"، الأم خديجة تصف طفولتها وعائلتها وحياتها بقولها "قالت جدتي: البنات كشجر الموز، فهزت أمي رأسها موافقة، ولم أفهم ما معنى كلام جدتي ولا سبب موافقة أمي على ما قالته، كانت جدتي لأمي امرأة صغيرة الحجم كئيبة الوجه، لها عينان ضيقتان ووجه مجعد". 
وقد خططت لحياة أولادها "سعد وسوسن وزينب" وفق ما تريده، ورسمت لهم مسار حياتهم، في بادئ الأمر كانت الابنة الكبرى منصاعة وراء ما تفرضه الأم عليها، لكنها سرعان ما انقلبت عليها وتمردت، حيث تتساءل قائلة "كيف يتعكر ماء النبع ومن أين تأتي النباتات الوحشة وبأي قانون تتكاثر وتعيق المجرى وتسد الطريق" فهي تحاول فهم ما يدور حولها وترتيب عالمها على النحو الذي تريده.
فقد قدمت الكاتبة رؤيتها لمصطلح الحرية والعلاقات الإنسانية والصراعات عبر هذه الرواية من منظورين مختلفين متناقضين هما الأم والابنة. 
 
في مجال الترجمة
ترجمت إلى اللغة العربية الجزء التاسع من موسوعة كامبريدج في النقد الأدبي "القرن العشرون: المداخل التاريخية والفلسفية والنفسية" عام 2005، كما أنها أصدرت ترجمة مختارات شعرية لمريد البرغوتي تحت عنوان "منتصف الليل وقصائد أخرى" إلى الإنكليزية عام 2008.
 
الجوائز 
حصدت الناقدة والكاتبة رضوى عاشور العديد من الجوائز تكريماً على كتاباتها الأدبية وإبداعاتها الفريدة، حيث تم تكريمها ضمن مجموعة الـ 12 أديباً عربياً على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2003، كما حصلت على جائزة قسطنطين كفافيس الدولية للأدب في اليونان عام 2007، هذا بالإضافة إلى حصولها على جائزة تركوينيا كارداريللي في النقد الأدبي عام 2009، وجائزة بسكارا بروزو عن الترجمة الإيطالية لرواية "أطياف" عام 2011 في إيطاليا، وجائزة سلطان العويس للرواية والقصة عام 2012. 
من شدة ولعها بالكتب قامت بتشكيل مكتبة ضخمة في منزلها، احتوت الكتب الأدبية العربية والعالمية ونصوص الأشعار فضلاً عن الكتب الفلسفية والتاريخية، حيث كانت تجلب العديد من الكتب أثناء تنقلها بين البلدان، ولم تتواني عن القراءة والمطالعة منذ صغرها وحتى أيامها الأخيرة من حياتها. 
عانت رضوى عاشور في الأشهر الأخيرة من حياتها من مرض السرطان، وتوفيت على إثره في30 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2014، عن عمر ناهز الـ 68 عاماً.